أي منوال تنموي لتونس المستقبل؟

بقلم :  محرز سلطاني

يرتبط المنوال التنموي في تونس بالتنمية والتشغيل واختلال التوازن بين الجهات وبين الفئات الأجتماعيّة. ويرى معظم المواطنين أنّ المنوال التنموي المنتهج في تونس منذ سنة 1972، قد عفا عليه الزمن وحان وقت تغييره، رغبة في تحقيق التنمية الجهويّة وحلّ معضلة البطالة واستعادة السيطرة على خيرات البلاد.
واختارت البلاد التونسيّة منوالها التنموي منذ بداية السبعينات بمقتضى قانون 1972 الذي يعتمد على المناولة في القطاع الصناعي ، هذا المنوال أثبت بعد 45 سنة أنّه لايمكن أن يؤدّي إلى تنمية حقيقيّة بقدر مايمثّل مجرّد حلّ مؤقت للتقليص من نسبة البطالة داخل بلادنا مع جعلها رهينة مواطن شغل غير مستديمة.
فماهي هنات هذا المنوال التنموي ؟ وماهي ارتدادته على الإقتصاد التونسي ؟ وأيّ منوال تنمويّ يليق بالبلاد التونسيّة؟
1/ هنات المنوال التنـموي التونسي:
خلال عمليّة البحث ،كان علي العودة إلى مقالة كتبها الأستاذ”عبد الحفيظ الهرقام” بعنوان “تونس والإملاءات الخارجيّة”، حيث تساءل قائلا: ألم يحن الوقت لنقيّم مردوديّة قانون أفريل 1972،مقارنة بالحوافز والمزايا الجبائيّة الهامة الممنوحة للصناعيين الأجانب الذين يستغلون يدا عاملة رخيصة ،محققين أرباحا طائلة.أليس من المهم أن تؤمن تونس أكثر من أيّ وقت مضى ، بقدراتها لخلق الثروة ،معوّلة في ذلك على مهارات شبابها وذكائه؟.
لكن أزمة المنوال التنموي ،استفحلت مع إمضاء تونس على اتفاقيّة الشراكة مع الإتحاد الأوروبي سنة 1996 وتطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي منذ سنة 1986 المتعلّق بخوصصة القطاع العمومي الذي مكن أقارب زوجة الرئيس الثاني “زين العابدين بن علي” “ليلى الطرابلسي من 90%من الإقتصاد الوطني.
هذه الحقيقة رفضها الدكتور ” عفيف شلبي “وزير الصناعة في عهد بن علي الذي كان يترأس منتدى خير الدين باشا في سنة2014 حيث أصدر ردا ينتقد في محتواه تقرير البنك الدولي ،مصرا على الدفاع على قانون 1972،داعيا في الوقت نفسه إلى ضرورة الترفيع في صرف المنح على الشركات المصدرة كليّا، قائلا :ماتمنحه تونس غير كاف.
وحتى تكون الإجابة علميّة ، توجب الإستناد على وثيقة علميّة وهي تقرير البنك الدولي الصادر في أفريل 2014، تحت عنوان” الثورة الغير المكتملة” ،والذي أشار إلى فقدان تونس إلى 400 ألف موطن شغل مستديمة بين 1996و2016. ويمكن حوصلة هنات المنوال التنموي التونسي حسبما ورد في تقرير البنك الدولي في النقاط التالية:
تقليص القاعدة الجبائيّة في تونس.
عمق التفاوت الجهوي (90% من هذه المؤسسات منتصبة في الجهات الساحليّة)
2.5مليار دينار منح تصرف بعنوان “التأهيل والتشغيل” وحتى بعنوان”الشحن البري والجوي للمنتوجات التي يتم ترحيلها إلى البلد الأم (لاحظوا أنّ قيمة المنحة الممنوحة من الحكومة التونسيّة تعادل ثلاث مرات القسط الثالث من قرض صندوق النقد الدولي والمقدرة ب780مليون دينار).
سنمر الآن إلى الوثيقة رقم (2) في بحثنا العلمي حول المنوال التنموي في تونس : تقرير صادر عن البنك المركزي التونسي لسنة2016 ، يتبيّن أنّ مجموع القروض الجارية الموزعة من طرف القطاع المصرفي حسب النشاط الإقتصادي وحسب قطاع المؤسسات العمومية والمؤسسات الخاصة كان في حدود 51.4 مليار دينار من بينها 2.3 مليار دينار فقط لقطاع الفلاحة والصيد البحري أي بنسبة 4.5% لهذا القطاع الواعد ونصيب القطاع العمومي لايتعدى 96 مليون دينار أي 4% بينما تحصل القطاع الخاص الفلاحي على 96%.
اما القطــاع الصناعي فقد تحصّل على 18.3مليار دينار ،استأثر القطاع الخاص ب17.3مليار دينار بينما لم يتحصل القطاع العمومي إلا 0.936مليار دينار. بمعنى أنّ الشركات العمومية الآتية ذكرها :
-مصنع الفولاذ بمنزل بورقيبة
-شركة تكرير النفط والمجمع الكيميائي
-شركة فسفاط قفصة
-شركة صناعة الإسمنت ببنزرت
شركة أم الكليل ببنزرت
-مصنع الورق بالقصرين
-مصنع السكر بباجة
لاتتحصل إلا 936مليون دينار من حجم القروض المتأتية من البنوك في حين يذهب إلى الشركات الخاصة 17.3مليار دينار أي بنسبة96% مما يتحصل عليه القطاع الصناعي،وللأسف رغم حجم القروض التي قدمت لهذه الشركات الخاصة فإنّ عدد مواطن الشغل تراجع بهذه المؤسسات الخاصة ب1600موطن شغل في سنة2015 و ب7000موطن شغل في سنة2016. كما أنّ هذا العطاء السخيّ من قبل الدولة رافقه ارتفاع المزيد من العاطلين عن العمل.والغريب أنّ هذه المبالغ الضخمة التي تحصلت عليها المؤسسات الخاصة لم تأت بنسبة نمو حيث ذكر تقرير البنك المركزي أنّ نسبة نمو الصناعات التحويلية كانت في حدود0.1%.
الإستنتاج الذي نخرج به: يبيّن توزيع القروض الماليّة مدى تغوّل القطاع الخاص على حساب القطاع العام.
1% من سكان البلاد التونسيّة يسيطر على أكثر من90%.
2/ تداعيات المنوال التنموي على الإقتصاد التونسي:
تدمير النسيج الصناعي التونسي
إفلاس 10آلاف شركة بين 1996و2016.
فقدان 400الف موطن شغل مستدام.
تفشي ظاهرة البطالة والفساد والتهرب الجبائي.
تعمّق ظاهرة الإقتصاد الموازي والتوريد العشوائي.
3/أيّ منوال تنموي يليق بالبلاد التونسيّة؟
إقليم فاعل : أليس ثمة تجاوز لغويّ هنا؟أم أنّ المراد بهذه العبارة إثارة الدور المتنامي للجماعات المحليّة، فهل يمكننا التحدّث عن الإقليم ذاته كما نتحدّث عن فاعل؟ وبداية مامعنى فاعل؟
لايمكن أن نتحدّث عن “الإقليم” في تونس ،دون الحديث عن نوعيّة الفاعل داخل هذا الإقليم، الفاعل بماهيته الإجتماعيّة، وتعريف الفاعل الإجتماعي :هم الأشخاص القادرين ، في لحظة ما، على وضع طاقتهم الإبداعيّة وقدراتهم ،ومهارتهم وإمكانياتهم المالية في التآزر، عبر التخطيط على المدى المتوسط والبعيد،كما يمتاز الفاعل الإجتماعي بقدرته على ردّ الفعل تجاه الأزمات (دور العرفاني للمدرسة التونسيّة).
من وجهة نظري المتواضعة، وحتى نفهم الدور المتميّز للإقليم في الإقتصاد العادل ، على الأحزاب والحكومة تغيير النظارات والنظر إليه من زاوية أخرى ،فالاقليم الذي نرنو إليه في تونس ليست منطقة جغرافية ،لها مساحة محدودة مرسومة بنقاط على الخريطة وإلى بنى إدارية وسياسية.بل شبكة علاقات بين الأنا والاخر، وقد شدّد إعلان “جونكار” في كندا أنّ الإقليم نقطة ارتكاز لتغيّر جذري في منظور التنمية، بإجراء التوازن في المقاربة العمودية للسلاسل، التي تقطع المجتمعات وتفككها مع مد الجسور بينها من ناحية اخرى،بواسطة المقاربة الأفقية للأقاليم.
وحتى تنجح المقاربة التنموية في تونس ،فإنّ الإقليم يجب أن يحشد أربعة انواع من الرساميل :
الرأسمال المادي المختلط
الرأسمال البشري
الرأسمال اللامادي مثل البرمجيات المعلوماتية
الرأسمال الطبيعي.

الخاتمة:
لقد حان الوقت اليوم أن تتجاوز تونس المنوال التنموي الحالي ، والعمل على إعادة التقسيم الجغرافي للبلاد التونسية ،عبر منح الإقليم مكانة كبرى ،وتكون لكل إقليم في تونس عاصمته التي تتوفر على نفس الخصال التي تتوفر بالعاصمة المركزيّة ،حتى تستطيع البلاد إرساء مقومات العدالة الإجتماعية والتوزيع العادل للثروات.
صفوة القول، الإقتصاد العادل يهدف إلى رفاه الأشخاص ، لذلك يتوجب عليه أن يضمن النشاط الإنتاجي والتبادلي لكلّ شخص: الكرامة والحقوق الإقتصادية والإجتماعية الفعليّة،وامكانية خلق رأسمال اجتماعي والشعور بضرورته،والتناغم ،بمعنى الترابط بين مانفعل ومانؤمن به.

Share Button

أكتب تعليق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *