التسوّل في تونس: أسبابه والأساليب المعتمدة والحلول الممكنة للحد منه

هي ظاهرة تفشت في مجتمعنا الى درجة كبيرة تشد الانتباه ..انها ظاهرة التسوّل هذه الظواهر الاجتماعية التي غزت في السنوات الأخيـرة شوارعنا بشكـل كبيـر، وباتت تمثّل هاجسا كبيرا للدولة وللمجتمع، فاليوم لا تكـاد تخلو شوارع المدن التونسية ومختلف أماكنها العامة من انتشارالمتسوّلين بمختلف شرائحهم العمرية ومن الجنسين على حد السواء.

تفشي الظاهرة
بحث في تواصل مع مختلف الاطراف القريبة من الموضوع في احصائيات دقيقة، لكن كالعادة لا تسمع غير: ل”ما ثماش” ما عندناش”، فللاسف لا نجد اهتمامات بظواهر وقضيا مثل هذه رغم أهميّتها القصوى.
بحثت في بعض الدراسات قديمها وجديدها وخلصت الى ان حوالي 64 بالمائة من المتسولين يزاولون التسوّل بصفة قارّة و35 بالمائة بصفة ظرفيّة، وانهم ينقسمون إلى 54 بالمائة ذكور و 46 اناث.
أما من حيث الشريحة العمريّة فان العدد الاكبر من هؤلاء يكون من الفئة العمرية ما فوق ال 50 سنة وبصفة اقل الفئة ما بين 35 و20 سنة ثم نجد الفئة ما بين 19 إلى 34 سنة.
ويتوزع هؤلاء المتسولين على مختلف المناطق التونسية مع تصدر ولاية القصرين المرتبة الأولى من حيث النسب ثم ولاية صفاقس ثم ولاية نابل ثم بقية الولايات.
كما انني خلصت الى ان قرابة 15 بالمائة من هؤلاء المتسولين ليكون البقية في وسط عائلي متكون من فردين الى ما هو اكثر.
الاسباب
ولا شك في ان الاسباب تعود بالأساس إلى الوضع الإقتصادي الهشّ وإنتشار البطالة وغياب العدالة الإجتماعية، فالعدد الاكبر من المتسولين يزاولون التسوّل بسبب الفقر، هذا الى جانب العجز عن العمل والمرض والاعاقات التي تجبر اصاحابها عن امتهان التسول. دون ان نغفل ايضا غياب التغطيّة الاجتماعية عند الكثيرين.

ولا يمكن ان نغفل ايضا الأميّة والتهميش والتي هي الاخرى من الأسباب الكبرى لانتشار هذه الظاهرة، حيث أنّ العدد الاكبر من المتسولين لا يتجاوز مستواهم الابتدائي والاعدادي.

اصناف المتسولين
يمكن ان نصنف هذه الفئة إلى صنفين إثنين، متسوّل عرضي وهو شخص أجبرته ظروف عارضة قاسيّة، على التسوّل وهذه الفئة مكرهة على فعل ذلك، مع الاحساس بالمرارة، ويقطع تسوّله بمجرد توفّر البديل.
أما الصنف الثاني فهو المتسوّل المحترف، وهذه الفئة تمتهن التسوّل وتعتمد بالأساس على استدرار عطف الناس، فالمتسوّل يراهن بقصد أو بدون قصد على الايهام بأنه في حاجة ماسة للشفقة من الآخر وبطرق مختلفة.
الاساليب
تتعد الطرق وتختلف الأساليب في التسوّل، فمجموعة تعتمد غالبا أسلوب الإيهام بالمرض مع الاستظهار بوثائق كبطاقة الاعاقة وفوتير طبيب او دواء او اعتماد “العكاكيز” و الكرسي المتحرك.
في حين تعتمد مجموعات اخرى على اصطحاب الرضع والأطفال مع اخراجهم في هيئات رثة تثير شثقة المارة وتستعطفهم العون، فالمتسوّل يرتكز على عنصر “الشفقة” ويركب كل الأساليب التي تمكّنه من تحقيق تلك الغاية.
ولا نغفل انه هناك شبكات خطيرة تمتهن التسول الممنهج وتستغل النساء والاطفال وتشغلهم في هذا المجال، وهذا ما اكده لي مصدر من الداخلية، حيث اشار الى انه تم في عديد المرات تفكيك مثل هذه الشبكات التي تنتشر في مختلف الولايات.

الايهام والتمويه

ويعتمد بعض المتسولين على الخداع والحيلة والتظاهر بالعمى او بالاعاقة البدنية في حين انهم في صحة جيدة وخلال تتبعي للظاهرة تفطنت الى شخصين من هؤلاء احدهما يستعمل “عكاز” ويرتدي “نظارات سوداء” ويتظاهر بانه اعمى في القطار وهو يتسول ولكن تفاجأت به في مكان أخر  بصيرا لا بأس عليه، واخرى في المرسى تتظاهر بالاعاقة المبالغ فيها بطريقة غريبة جدا ولاحظت جيدا انها تتصنعها.

اماكن التسول
يتنقّل المتسوّل من مكان إلى آخر ويتخيّر أماكنه بدقة تامّة وينوّعها من أجل توفير أكثر ما يمكن من المال ومن اكثر الأماكن التي يعتمد عليها المتسوّل المساجد والمستشفيات والمصحّات، والتي توفّر له ما يطلبه من شفقة وتعاطف مستغلاّ حالة هؤلاء وهم في حالات خشوع او في حالة مرض يبحثون الشفاء.
كما نجد المتسولين ينتشرون في الاسواق الاسبوعية وفي محطات النقل وفي وسط وسائله وامام الفضاءات الكبرى وفي المقابر وفي غيرها من الاماكن الاخرى.

وطبعا لا نغفل انتشارهم في الشوارع الكبرى والاقدام على منافذ السيارات يستجدون راكبيها في اماكن التوقف وفي الزحام، الى جانب التواجد في الشواطئ وهذا ما لاحظته مؤخرا في بعضها.
الحلول
ان الحلول لهذه الظاهرة تبدو في حقيقتها صعبة بل شبه مستحيلة، فهذه الحلول يمكن ان تكون في العناية بالطفولة المبكّرة وبتربيّة الانسان على العزّة والكرامة، إلى جانب الاحاطة المدرسيّة وحثّ التلميذ وحمايته من الانقطاع المبكّرعن الدراسة.
كما أنه لا بد من تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية على أرض الواقع وإخراج هؤلاء المهمشين من الاوضاع الصعبة المعقدة التي يعيشونها فهم بلا مساكن ولا موارد رزق قارة ودون تغطية اجتماعية، ويعيشون في مناطق مهمّشة تماما يضطرّهم التهميش إلى تركها في اتجاه المدن الكبرى للبحث عن حلول ومن بين الحلول الذي يجدونها التسوّل …وهذا الحل توفيره للامانة نراه حلما لا يتحقق في هذا العالم الثالث الذي فيه نعيش.

اما عمليا فلابد من التصدي وتجريم التسوّل الممنهج ومعاقبة الشبكات التي تديره مع ضرورة الاحاطة بمن هم في وضعيات هشة و ظروف صعبة وحمايتهم من الالتجاء الى التسول.

كما اكد لي مصدر من الداخلية وجود صعوبة كبيرة في التواصل مع المتسوّل وفي اقناعه بالتخلي عن هذا السلوك وهذه الطريق التي توفر له ما يحتاجه واكثر.
كما يمكن ان نشير الى عجز مراكز الدفاع والادماج الاجتماعي التي تختص بتوفّر الاحاطة والعناية ومراكز للايواء والاحاطة والتوجيه الاجتماعي عن استقطاب هؤلاء لعدم رغبتهم الاقلاع عن هذه الظاهرة.

ختاما 
في ختام هذا المقال نشير إلى أن هذه الظاهرة وعديد الظواهر الأخرى تحتاج منّا وتتطلّب عناية وبحثا وتحقيقا ودراسات دقيقة تحصي وتبيّن مدى استفحالها، وتقف على أسبابها الظاهرية والباطنية، فلا يمكن أن نعالج أمرا ونوفّر حلولا دون بحث منهجي عميق دقيق، وهذا للأسف منقوص إن لم نقل إنه منعدم أصلا.

 

بقلم: محمد ضيف الله

Share Button

أكتب تعليق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *