الأَشْتَاتُ القَاسِيَةُ والشَّاةُ القَاصِيَةُ

مَلَؤُوا أسْمَاعَنَا حَدِيثًا عَنِ الحَدَاثَةِ، وهْوَ لَا شَكٌّ حَدِيثٌ تَسْتَلِذُّهُ الأسْمَاعُ، ويَسْتَمِيلُ الجُمُوعَ، ولَا يَجِدُ مِنَ الوُعَاةِ الحُصَفَاءِ إِلَّا الآذَانَ المُصْغِيَاتِ، والقُلُوبَ المُطْرِبَاتِ، فَلَا حَيَاةَ لِأَمَّةٍ تَعِيشُ الجُمُودَ والرُّكُودَ والسَّلْبِيَّةَ، ولَا أمَلَ مِنْ أُمَّةٍ لَا تَتَفَاعَلُ مَعَ عَصْرِهَا، ولَا تَتَنَاغَمُ مَعَ الأحْدَاثِ الجَدِيدَةِ الطَّارِئَةِ، ومَا دَامَ القُرْآنُ يَتَجَدَّدُ تَأْوِيلُهُ وتَفْسِيرُهُ وقِرَاءَةُ آيَاتِهِ، فِي كُلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ، بِحَسَبِ مَا يَسْتَجِدُّ مِنْ تَطَوُّرَاتٍ  وأحْدَاثٍ، ومَا يَكُونُ مِنْ مُكْتَشَفَاتٍ ومُخْتَرَعَاتٍ، فَمَعْنَى ذَلِكَ أنَّ العَقْلَ البَشَرِيَّ بِمَا يُبْدِعُهُ ويَصْنَعُهُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، يَشْهَدُ كُلَّ لَحْظَةٍ نُبُوغًا وتَقَدُّمًا، يُسْهِمُ فِي بِنَاءِ الدُّوَلِ والأُمَمِ، ويَعْمَلُ عَلَى الاِرْتِقَاءِ بِالإِنْسَانِ، لِيَجْعَلَ مِنْهُ كَائِنًا فَاعِلًا مُتَطَوِّرًا مُتَحَرِّكًا.

كَانَ يُفْتَرَضُ أنْ يَكُونَ العَرَبُ أكْثَرَ الأُمَمِ اِسْتِجَابَةً لِهَذِهِ الحَقَائِقِ العَقْلِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ، وأكْثَرَهُمْ تَفَاعُلًا مَعَ هَذِهِ المَطَالِبِ الحَضَارِيَّةِ والإِنْسَانِيَّةِ، بِاِعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي العُصُورِ الأُولَى مِنْ إِبْدَاعٍ بَوَّأَهُمْ المَنْزِلَةَ العَالِيَةَ والمَرْتَبَةَ السَّامِيَةَ، وجَعَلَهُمْ مَحَلَّ تَعَجُّبٍ وإِعْجَابٍ، ومَحَطَّ تَمَيُّزٍ وإِجْلَالٍ، تَشْهَدُ لَهُمْ بِذَلِكَ مَا خُلِّدَ مِنْ مَآثِرَ عَظِيمَةٍ ومَفَاخِرَ جَلِيلَةٍ، ومَا دُوَّنَ مِنْ كُتُبٍ تُؤَرِّخُ بَدَائِعَهُمْ ورَوَائِعَهُمْ، فِي مُخْتَلِفِ الفُنُونِ والشُّؤُونِ والعُلُومِ، كَانَ يُفْتَرَضُ بَعْدَ قُرُونٍ مِنَ الزَّمَنِ، أنْ يَكُونُوا أعْظَمَ إِنْتَاجًا، وأغْزَرَ عَطَاءً، وأبْدَعَ عُقُولًا، وأظْهَرَ نُبُوغًا، لَا يُنَافِسُهُمْ فِي مَجَالٍ مِنَ المَجَالَاتِ مُنَافِسٌ، ولَا يُبَارِزُهُمْ مُبَارِزٌ، هُمُ النَّوَابِغُ المُبَرِّزُونَ، الأسَاتِذَةُ المُدَرِّسُونَ، هُمُ الطَّلَائِعُ لَا التُّبَّعُ.

والتَّطَوُّرُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ والبَيَانُ هُوَ اِنْتِقَالٌ مِنْ طَوْرٍ إِلَى طَوْرٍ، وحَتْمًا إِنَّ الطَّوْرَ الثَّانِيَ يَكُونُ أحْسَنَ، لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ العَقْلُ مِنْ قُوَّةٍ فِي الإِدْرَاكِ والإِلْمَامِ كُلَّمَا مَضَى شَوْطًا فِي مَسِيرَةِ الحَيَاةِ، لِجُمْلَةٍ مِنَ أشْيَاءَ تُسْتَحْدَثُ وأنْبَاءٍ تُسْتَجَدُّ، تَفْرِضُ عَلَيْهِ اِسْتِخْدَامَ العَقْلِ اِسْتِخْدَامًا فَاعِلًا يَخْضَعُ لِتِلْكَ التَّطَوُّرَاتِ الحَادِثَةِ، فَمَا بَقِيَ إِذًا مَجَالٌ للْجُمُودِ والخُمُودِ، بَلْ يَنْبَغِي اِسْتِجَابَةً للُّغَةِ والعَصْرِ أنْ يَكُونَ العَرَبُ أكْثَرَ اِجْتِهَادًا وحَرَكَةً، للِإِبْدَاعِ والعَطَاءِ، آخِذِينَ مِنْ مُنْتَجَاتِهِ الجَدِيدَةِ مَا يُعِينُهُمْ عَلَى مَزِيدٍ مِنَ اِسْتِنْبَاطِ الفِكْرَةِ واَسْتِنْبَاتِ العِبْرَةِ، حَتَّى تَكُونَ لَهُمْ الرِّيَادَةُ والقِيَادَةُ، ودِينُهُمْ بِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ قِيَمٍ ومَبَادِئَ، يَحُضُّهُمْ عَلَى حَمْلِ رَايَةِ الرِّيَادَةِ وبُلُوغِ غَايَةِ الأمْجَادِ، مَهْمَا تَكُنْ قُوَّةُ العَدُوِّ، ومَكْرُهُ الشَّدِيدُ.

العَرَبُ، فِي الزَّمَنِ القَدِيمِ، كَانُوا أهْلَ فِطْنَةٍ وذَكَاءٍ وكِيَاسَةٍ ونُبُوغٍ ويَقَظَةٍ، وبِذَلِكَ حَقَّقُوا الاِنْتِصَارَاتِ الكُبْرَيَاتِ، وصَنَعُوا المَلَاحِمَ العُظْمَيَاتِ، والفُتُوحَاتِ والبُشْرَيَاتِ، بَعْدَ أنْ قَرَؤُوا عَدُوَّهُمْ قِرَاءَةً سَلِيمَةً صَائِبَةً، وحَذِرُوا خُبْثَهُ وخَدْرَهُ، ودَرَسُوهُ دِرَاسَةً جَيِّدَةً تَامَّةً، ووَضَعُوا تَبَعًا لِذَلِكَ مَنَاهِجَ وبَرَامِجَ فِي النَّصْرِ عَلَيْهِ، تَوَحَّدَتْ صُفُوفُهُمْ وصَفَتْ نُفُوسُهُمْ وتَنَاغَمَتْ هُتَافَاتُهُمْ وتَلَاشَتْ خِلَافَاتُهُمْ، وهُمُ اليَوْمَ أكْثَرُ حَاجَةً لِذَلِكَ حَتَّى يَحْفَظُوا القِيَادَةَ والرِّيَادَةَ.

ولْيَتَخَيَّلْ كُلُّ اِمْرِئٍ يَنْتَمِي إِلَى هَذِهِ الأُمَّةِ ويَرْتَمِي فِي هَذِهِ الأرْضِ، كَيْفَ تَكُونُ أُمَّةُ العَرَبِ، لَوْ مَضَوْا فِي سَبِيلِ مَنْ سَلَفَ مِنْ أَئِمَّةِ الأُمَّةِ، عُلَمَاءَ ومُجَاهِدِينَ وصُلَحَاءَ ومُخْتَرِعِينَ ودُعَاةً ومُجْتَهِدِينَ، ألَا تَجِدُونَهَا مُتَبَوِّئَةً أسْمَى مَنْزِلَةٍ وأعْلَى مَرْتَبَةٍ، ألَا تَرَوْنَهَا حَامِلَةً رَايَةَ الرِّيَادَةِ والتَّألُّقِ، العِزُّ عِطْرٌ يَتَضَوَّعُ أرِيجُهُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ.

مَا لَنَا اليَوْمَ أشْتَاتٌ قَاسِيَةٌ، وشَاةٌ قَاصِيَةٌ، هُنَا فِي كُرْدُسْتَانَ نَارٌ تَشْتَعِلُ، وخَلْفَ النَّارِ صُهْيُونِيٌّ كُلَّمَا رَآهَا خَبَتْ أشْعَلَهَا مِنْ جَدِيدٍ، يَتَمَنَّى حَرْبًا تَكُونُ وتَدُومُ وتَسُودُ وتَثُورُ، حَتَّى تُنْهَكَ قُوَّاتُ إِيرَانَ والعِرَاقِ وتُرْكِيَا، وهُنَا فِي الخَلِيجِ نَارٌ أخْرَى يَشْتَدُّ أُوَارُهَا، ويَشْتَعِلُ ضِرَامُهَا، يَعْمَلُ صُهْيُونِيٌّ عَلَى إِذْكَاءِ فَتِيلِهَا وإِغْرَاءِ قَتِيلِهَا، حَتَّى تَذْهَبَ رِيحُ دُوَلِ الخَلِيجِ، وتَبِيدَ أمْوَالُهُمْ، وتُنْهَبَ خَيْرَاتُهُمْ، كَانَ وَجْهُ العَرَبِ سَيَتَبَدَّلُ، وصِيتُهُمْ سَيَتَحَسَّنُ، وعَارُهُمْ سَيَتَبَدَّدُ، بَعْدَ أنْ اِجْتَاحَتْهُمْ مَوْجَةٌ ثَوْرِيَّةٌ، اِسْتَحْسَنَتْهَا الشُّعُوبُ، وتَفَاءَلُوا بِهَا خَيْرًا، لَا شَكَّ أنَّهَا وَاضِعَةٌ حَدًّا للِنُّظُمِ الاِسْتِبْدَادِيَّةِ، والأنْظِمَةِ الفَاسِدَةِ، وأجْهِزَتِهَا الخَبِيثَةِ، ومُؤَسِّسَةٌ لِنُظُمٍ جَدِيدَةٍ تَحْتَرِمُ الإِنْسَانَ، وتَعْمَلُ عَلَى تَكْرِيمِهِ لِيَنَالَ مَكَانَتَهُ الحَقِيقِيَّةَ، لَكِنَّ الصُّهْيُونِيَّ اليَهُودِيَّ، والصَّهَايِنَةَ العَرَبَ، أدْرَكُوا مَرَامِيَ الثَّوْرَةِ، فَشَرَعُوا يَعْمَلُونَ لَيْلَ نَهَارَ عَلَى إِفْشَالِهَا، وكَانَ لَهُمْ مَا يُرِيدُونَ، وذَلِكَ يَعُودُ إِلَى غَفْلَةٍ لَسْتُ أدْرِي كَيْفَ تَسَلَّلَتْ إِلَى عُقُولِهِمْ المُتَجَمِّدَةِ المُتَبَلِّدَةِ، فَزَادَ الأمْرُ سُوءًا، والحَالُ عُسْرًا، والوَضْعُ وَجَعًا، فِي كُلِّ بِلَادٍ فِتْنَةٌ وحِكَايَةٌ، الأمْرُ الَّذِي سَهَّلَ عَلَى العَدُوِّ مَزِيدًا مِنْ اِبْتِلَاعِ أمَّةِ العَرَبِ، لِتَكُونَ أثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ، وخَبَرًا بَعْدَ مَجْدٍ.

نُبْصِرُ هَذَا الوَاقِعَ الأَلِيمَ المُحْزِنَ المُخْزِيَ، ونَنْظُرُ إِلَى هَذَهِ الحَالِ المُؤْلِمَةِ المُمَزِّقَةِ نُفُوسَنَا، فَلَا نَسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَةٍ، ولَا نَسْتَفِيقُ مِنْ غَفْوَةٍ، ولَا نَسْتَجْمِعُ قُوَانَا ولَا نَسْتَعِيدُ وَعْيَنَا لِنَنْطَلِقَ فِي مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ تَتَّسِمُ بِالفِعْلِ والوَعْيِ والجِدِّ والبِنَاءِ، نَفْرِضُ فِيهِ وَاقِعًا جَدِيدًا، يَتَألَّقُ فِيهِ العَرَبِيُّ.

عاشِقُ الضَّادِ

الحَبيب بلْقَاسمْ

Share Button

أكتب تعليق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *