لا يفوتك

الجبهة الشعبية واحداث التخريب: اين تكمن المسؤولية الاخلاقية والسياسية ؟ (مقال)

 

لو عدنا الى الاحداث الاخيرة من حرق ونهب وتعدّ على مقرات ومؤسسات في عديد المناطق يمكن ان نتحدث عن مسؤولية سياسية واخلاقية تتحملها الجبهة الشعبية، حيث انها من دعا الى التحرك والخروج للشارع من اجل تغيير الحكومة واسقاط قانون المالية وهذا ما صرح به اغلب قياداتها وايضا صدر ببعض بياناتها
فقد قال مثلا الناطق الرسمي باسم الجبهة حمة الهمامي في تصريحات اعلامية قبل ان تبدا التحركات “ان هذه الحكومة افلست ويجب استبدالها” وايضا قال الجيلاني الهمامي “الحكومة الحالية تقف وراء تعميق الأزمة، ويجب استبدالها بحكومة أخرى لأنّ تونس تزخر بالكفاءات” كما دعت الجبهة في بيان لها يوم 04 جانفي الى “رص الصفوف في حركة نضالية مدنية سلمية لإسقاط هذه الإجراءات وتعليق العمل بقانون المالية”.

ثم وخلال الندوة الصحفية عقب وفاة شاب بطبربة قال حمة الهمامي: ” لدينا اجتماع مع أحزاب معارضة أخرى لتنسيق تحركاتنا، ولكننا سنبقى في الشارع وسنزيد وتيرة الاحتجاجات حتى نسقط قانون المالية الجائر الذي يستهدف خبز التونسيين ويزيد معاناتهم” وأضاف “ندعو التونسيين إلى مواصلة النضال والخروج للشارع”.

ثم ان هذا المسؤولية الاخلاقية والسياسية تثبت على الجبهة لان شبابها اول من خرج ليلا في مسيرة بشارع بورقيبة مساء وطالب بضرورة اسقاط الحكومة وتعويضها بحكومة اخرى، رافعين شعارات منددة باطراف الحكم ورئاسة الجمهورية.

التراجع في المطالب

لما احرجت الجبهة وتعرّت امام الشعب التونسي والاعلام والطبقة السياسية واحست ان كل ما حدث تتحمل هي المسؤولية السياسية والاخلاقية عنه، فهي وان لم تعبر عنه تحرجها صراحة، فقد عبرت عنه من خلال تراجع نوعي في خطابها وحولت المطالب من اسقاط الحكومة الى اسقاط قانون المالية ثم الى تعليقه ثم الى تعليق بعض الفصول منه…

كما ان قيادتها كثفوا الخروج والتبرير والتبرئ من اعمال التخريب مع اصرارهم على تبني الاحتجاجات السلمية ومواصلة الدعوة اليها مع التوصية ان تكون نهارا بعد ان كانت تبرر للخروج الليلي بان اغلب الاحتجاجات الكبرى في الثورة وفي 2012 و2013 كانت ليلا وغيرها من التبريرات الاخرى.

كما ان المسؤولية السياسية والاخلاقية تبرز من خلال ان كل التحركات التي حدثت تقريبا بعد دعوة الجبهة للخروج جاءت ليلية ولم تكن احتجاجية سلمية ولم يكن لها اي مطلب بل فقط توجهت الى الحرق والاقتحامات والسرقة والنهب عن طريق اطفال لا تتجاوز اعمارهم ال15 سنة وشباب في اغلبه اقل من 30 سنة
وبالتالي فلا مناص من ان تتحمل الجبهة الشعبية كل المسؤولية السياسية والاخلاقية لكل ما لحق الوطن من اعمال عنف وتخريب بما انها من دعا للتحرك والخروج وبما انها لم تستطع ان تتحكم في تلك التحركات ولا تاطيرها وتنظيمها بشكل سلمي مطلبي، بل انها اوغلت في الحرق والنهب والسلب و”الركاجات” في مختلف الاماكن التي خرج فيها هؤلاء وكانت الضريبة كبيرة (سيارات محروقة ومراكز ومستودعات وبنوك ومقرات معتمديات…).

والمسؤولية السياسية والاخلاقية لصقت الجبهة وهذا ما اقره وصرح به عدد من المسؤولين على راسهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد عند زيارته لمنطقة “البطان” والذي قال ان هؤلاء المخربين يعملون لصالح الجبهة الشعبية وايضا رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي الذي قال ان الجبهة تتحمل المسؤولية السياسية والاخلاقية على ما حدث من اعمال تخريب ونهب، الى جانب ان الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي قال ان “أعمال النهب والتخريب التي جدّت بعدد من ولايات الجمهورية هي فعل عصابات…وان الاحتجاجات لا تكون تحت جناح الظلام ولا تكون أيضا بالنهب وبتخريب الممتلكات الخاصة والعامة، فالاحتجاج يكون منظما ويكون التحرك مؤطرا حزبيا أو اجتماعيا..”

مسيرات نهارية بالعشارات

بعد ان تبرأت الجبهة من الاحتجاجات الليلية دعت الى اخرى في النهار وحشدت لها خاصة في العاصمة وصفاقس، الا ان الاعداد كانت قليلة والاقبال ضعيفا، وهذا تجلى من خلال 3 وقفات مثلا وقفة امام المسرح البلدي بالعاصمة واخرى امام مقر ولاية تونس وثالثة امام مقر ولاية صفاقس دعا اليها شباب الجبهة الذي يشرف على حملة “فاش نستناو”.

وهذا يبن ان رهان الجبهة على الشعب للاستجابة لندائها بالخروج والاحتجاج لم يكن مدروسا بالشكل الذي يوضح حجمها، فركوبها على قانون المالية والذي صوتت على اغلب فصوله لتحشيد الشارع فشل فشلا ذريعا وهذا ما يجعل هذه التحركات تتوقف وتنتهي تقريبا لان اغلب المنساقين في البداية تفطنوا الى سياسوية التحركات وما تبطنه.

 

هل ستستوعب الجبهة الدرس؟

السؤال الان هو هل تعي الجبهة بعد الذي حدث انها عزلت فعلا ولم يكن في صفها احد ولم يرضي ما فعلته او لنقل ما هي مسؤولة عنه سياسيا واخلاقيا اي طرف وطني.

فلم يكن اي طرف من الاطراف السياسية ولا المنظمات الوطنية في صفها ابدا من رئيس الجمهورية الى رئيس الحكومة الى اغلب الاحزاب والمنظمات وتحملت وزر ما حدث من تخريب ونهب وحرق ولم تنجح في الدفاع عن نفسها رغم تتابع الندوات او حتى المطالبة بلجنة مستقلة للتحقيق في الاحداث مع انها اكبر واكثر الناقدين والساخرين من إحداث اللجان في اغلب مواقفها السابقة.

كما انها لم تنجح في التبرير لما قامت به من مصادقة على اهم الفصول في قانون المالية التي تسببت في ارتفاع الاسعار خاصة الفصل 39 ، بل ان ذلك احرجها اكثر وجعل الشارع والسياسيين والنشطاء (الشاهد، محمد بن سالم، مهدي بن غربية، سمير الطيب، نواب من نداء تونس،  وغيرهم) يستغربون كيف تصوّت على قانون المالية ثم تخرج للمطالبة باسقاطه؟؟

فهل ستعود الجبهة الى رشدها وتعي ان الوطن للجميع وان مصيره ومسيرته امانة لدى الجميع ويجب الالتفاف حول “النجمة والهلال” بعيدا عن الحقد الايديولوجي الدفين الاعمى الذي جعلنا كتونسيين نضيّع الكثير من الجهد والوقت وجعل بلدنا يرزح في مشاكل كان بالامكان تفاديها لو اقترب الجميع من بعضهم وحولوا المعارك الجانبية الايديولوجية والحزبية الضيقة الى معارك برامج وافكار وخطط للبناء والتقدم بتونس وحمايتها من الاخطار التي تحدق بها من الداخل والخارج.

وقد راينا مثلا حركة النهضة رغم شراسة الهجومات التي تقوم بها الجبهة تجاهها تمد اليد للجبهويين وتدعوهم الى الانضمام للحكومة والى وثيقة قرطاج وهذا ما تكرر على لسان الغنوشي والهاروني والخميري وغيرهم.

 

تونس: موقع الفجر

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *