الدكتور منصف النهدي يكتب: خلّينا نفرّكو رمّانة التّعويضات


– لمّا فيضانات ليست الدّولة سببها المباشر تسبّب أضرارا، يهبّ النّاس جميعا يطالبون بتعويضات.
– ولمّا تتدهور القدرة الشّرائيّة لقطاع ما، يستأسد في الإضرابات لحلب ضرع الدّولة، حتّى وإن أضرّ الإضراب بالمصلحة العامّة.
– ويخوّن كلّ من يجادل أنّ ضعف الآداء الإقتصادي قد لا يسمح برفع كتلة الأجور، ممّا يؤدّي للتّداين، وانهيار العملة وارتفاع التّضخّم والأسعار.
لكن لمّا أجهزة الدّولة، وبشكل مباشر، تحطّم البشر وتدمّر أسرهم ومستقبلهم، وتسبّب لهم العاهات، وتقطع أرزاقهم، وتحرمهم من حرّيتهم ومن أبنائهم، ويموت آباؤهم وأمّهاتهم وهم مغيّبون في السّجون لسنين طويلة، تعذّب أجسادهم، وتغتصب نساؤهم، وتنتهك أعراضهم .. عندها يصير التّعويض الرّمزي الزّهيد ارتزاقا وبيعا لكيلو النّضال وإهدارا للمال العامّ.

تقوم كندا الآن بتعويض أناس تضرّروا صحّيّا بسبب أكل سمك من نهر لوّثته نفايات شركة بالزّئبق منذ ستّين سنة مضت. تلك هي الدّولة الحديثة الّتي تحترم الإنسان.

مبلغ عشرة مليون دينار الموضوع على ذمّة التّعويضات لا يساوي نصف تعويض قدّمته الحكومة الكنديّة لشخص واحد فقط!

نعم. ففي سنة 2002 أتّهم عمر خضر بإلقاء قنبلة في أفغانستان قتلت مسعفا طبّيّا في الجيش الأمريكي. ثمّ اعتقلته أمريكا في معسكر ڤوانتنامو باي وهو مازال طفلا. لكن السّلطات الكنديّة ساهمت في استنطاقه.

حكمت المحكمة العليا الكنديّة سنة 2010 بأنّ ما حصل انتهك حقوق الجنديّ الطّفل وانتهك قانون الحرّيّات الكندي.

ورغم أنّ كندا ليست المسؤولة مباشرة، فقد اعتذر رئيس الوزراء لخضر ومنحته الحكومة عشرة مليون دولار تعويضات، أي ما يساوي تقريبا 22 مليار تونسيَة.

ويتجاوز ذلك ضعف المبلغ الّذي تزمع هيئة الحقيقة والكرامة إسناده لضحايا الشّعب التّونسي كلّه لجبر الضّرر خلال ستّين سنة كاملة من إرهاب الدّولة.

يبدو وأنّ مبلغ التّعويضات أقلّ من 9% من ميزانية رئاسة الجمهوريّة، وأقل من 10% من حجم خسارة الدّولة بسبب اضراب الوظيفة العموميّة منذ أسبوعين، ويساوي عقد مدرب الفريق الوطني لكرة القدم ومساعده !! سيكلّف التّعويض كلّ مواطن تونسي 950 ملّيما. إنّه مهزلة حقيقيّة.

ثمّ تجد كمّا هائلا من الكذب والمغالطات. يقولون بن سدرين تقوم بالتّعويضات. أليست التّعويضات ضمن قانون العدالة الإنتقاليّة وقد صادق عليه البرلمان؟

ثمّ إنّ المبلغ الرّمزي الزّهيد نفسه لم تحدّده بن سدرين وهيأة الحقيقة والكرامة. بل هو كذلك ضمن قانون ماليّ عرض على البرلمان وصادق عليه.

إنّ ما قد يحصل عليه الآلاف من الضّحايا (إن قبلوا ذلك، فمنهم من قد يتعفّف) مبالغ رمزيّة، لن تجبر ضررهم بأيّ حال.

لكن مع اعتذار الدّولة والإعتراف بحقوقهم، يمكن للضّحايا تحقيق بعض التّجاوز وردّ الإعتبار والكرامة، وهو أمر معنويّ أكثر منه مادّيّ.

وليس ذلك فسادا أو اختيارا من بن سدرين وهيأتها كما يدّعي المرجفون والبلهاء والمعوّقون إيديولوجيّا، بل هو ضرورة تفرضها الأعراف الدّوليّة والقوانين.

إنّ فهم الدّولة المدنيّة مشوّه عند كثير من النّاس. ينظرون إلى الضّحايا على أنّهم إخوان وإسلاميّون، رغم أنّهم من مشارب شتّى، ويشيطنون سهام بن سدرين وهيأتها.

إنّ عقليّة الإقصاء المرضيّة الّتي لا ترى في الضّحيّة الجانب الإنسانيّ، بعيدا عن الشّحن الإيديولوجي والتّمييز، هي أكبر ما يهدّد السّلم الإجتماعي ومستقبل البلاد.

لقد أهدرنا أجيالا وأعمارا في محاولات الإقصاء والتّهميش على أساس المعتقد والقناعة والإنتماء. ألم يئن الوقت لنقبل بالتّعدّديّة والتّعايش على أساس المشترك الوطني في دولة تساوي بين جميع مواطنيها؟

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *