الشاعر عمار الجماعي يكتب: ‘لولا الثورة ما خطب كادوريم بنت رئيس الدولة ‘

مشهد رأسي للسنوات الثمانية
كانت هنا ” ثورة ” وان اختلفنا في تعريفها أو لجّ بيننا القول حول اكتمالها لكنّ الأكيد أنّ الأرض قد اهتزّت تحت عرش الطّاغية فانهدم بنيانه. ما بين 17ديسمبر و 14 جانفي حدث لا يتكرر إلاّ نادرا في تاريخ الشعوب حتى لنذهب إلى أنّ ” ثورة الياسمين ” قد تمّت على غير نموذج في الثورات أو مثال ولكن ” أهو دا إلّي صار “!
ليس كأشواق الحريّة من أشواق
تمّ الأمر بسلمية سلسة كتدخّل جراحي ،سواء في الشارع أو في السلطة. فلا دماء كثيرة – طبعا الامر نسبي – سالت ولا انقلاب عسكريّ طرأ – وإن كانت عقيدة الجيش التونسي غير انقلابية – ولا مرور السلطة من رئاسة الجمهورية إلى الوزير الأول تمّت خارج الدستور ! كأنّ الامر محكوم بقوانين التاريخ الخلدوني .. في ظرف شهر أو دونه تغيّر كلّ شيء وتحرّكت مياه في بركة ظلّت لأكثر من نصف قرن توهم بالاستقرار. لم تكن معجزة بل إرادة الشّعب حين يريد.
وانفتحت سماء لم نكن نراها ونحن في كهوفنا دهرا. وتحرّكت إرادة الله نحو الوفاء بوعدها :” إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” ..وجاءت الاعتصامات لتقطع وتبني وتؤسس من جديد ! كانت ساعتها الأشواق تمدّ ابصارها إلى أبعد مدى و ” إن ينصركم الله فلا غالب لكم ” و ” إنّ العبيد حين ينتفضون لا يخسرون غير قيدهم ” حتى غنّى الشعب :” الشعب يريد تحرير فلسطين “!!
ليس كأشواق الشعوب أشواق وليس كإرادتها إرادة .. لهذا مضى الجميع نحو ” الجمهورية الثانية ” وقد حققت – ربما ! – الأولى بناء الدولة الوطنية و آن أوان بناء ” الدولة الديمقراطية ” بما تعنيه من دستور و مؤسسات و ثورة اجتماعية تغيّر حياة النّاس على ضوء ثورة كانت هنا وإن اختلفنا في تعريفها او لججنا في تحديد مآلاتها !
سنوات المخاض العسير
ثورة بدون برنامج ولا قيادة مضطرّة لخوض ” التجربة والخطأ “.. وإن ذهب البعض في حسن النيّة واعتبر ” وثيقة 18 أكتوبر ” يمكن ان تمثّل خارطة طريق أو برنامج عمل أو مشترك سياسي يمكن ان يهدي سفينة البلد إلى برّ الأمان لولا أن امتدّت شرارة الثورة إلى بقيّة الشعوب العربية واصبحت تهدد عروشا راسخة في السلطة والعوائل المالكة والشرعيات التاريخية فغفل – أو تغافل – الجميع عن البناء الداخلي و تمتين الجبهة الوطنية واسناد الإدارة التي بدأت أشبه ب” الماكينة الثقيلة “!
تشكّلت الأحزاب وخيضت الانتخابات وتأسس المجلس وتحددت المعارضة واستقلّ الاعلام وانفتح الفضاء العام للاحتجاج السلمي في دولة ديمقراطية حقيقية ،هذا هو المشهد الخارجي. الدّاخلي كان غير هذا : رسكلة للقديمة وارتباك ل” الجديد الثوري ” و انفلات في المجلس وأجندات اعلامية مدفوعة مسبقا و تعطيل للمرفق العام في دولة هشّة !
مشهدان متناقضان يعتمل بينهما صراع متوحّش بين تغيير عميق و” عودة الأمر إلى ماهو عليه ” . والشعوب – كما نعلم – بطيئة في التغيير .. في هذا الشحن الداخلي و الخارجي حدث أمران : ميلاد دستور 14 جانفي و حركة اغتيالات سياسية قلبت ظهر المجنّ على ” أشواق الثورة ” وتشكّل مشهد ما بعد 2014 بعد تراجع تلك الأشواق وانتصار مهمّ لمنظومة ” ايش جابتلنا ثورة البرويطة “؟!
ومع ذلك ظلّ تيار المقاومة والتغيير – وإن حورب على مرأى ومسمع – يدفع نحو تشكيل مؤسساته وأهمّها ” هيئة الحقيقة والكرامة ” التي لولا الدستور الجديد – الأعلى سلطة تشريعية – لانكسر مسار الثورة و ” كانّك يا بوزيد ما غزيت “! ..
صراع القديمة المتجددة و الجديدة الاصلاحية
ظلّ ” عقل الدولة ” التونسية طيلة تاريخه يتأرجح بين استيعاب الجديد أو استئصاله و قد ندب لهذا قوى مختلفة. بعضها من خارج السلطة ولكنّ اغلبها كان صنيعة الحزب الواحد. لهذا لم يكن منتظرا – لصاحب النّظر الحصيف – أن تستسلم المنظومة الاستئصالية و تسلّم بهزيمتها .. لهذا كان ” التوافق ” بدعة تونسية لتأجيل الصراع لكن ليس على أساس برنامج سياسي واقتصادي وخاصة اجتماعي يعيد للناس أمل الخروج من محنة ما بعد الثورة بل على قاعدة ” لا تاذيني لا ناذيك “( وهي وضعية شبيهة عند اخواننا المشارقة ب” لا حرب ولا سلم “!) لهذا كثيرا ما كان التوافق ذريعة للتنازلات و تعديلا للمواقف وربحا للوقت ..ولم تستطع ” توافقات قرطاج الاولى والثانية ” من تخفيف ما بين المتوافقين من تناقض حادّ .. فلا استطاعت القديمة ان تستعيد مجالها ولا الجديدة الاصلاحية أن تستنبت نفسها في الدولة .. كلاهما يتحفّز للموعد الانتخابي القادم ليفرض شروطه.
ماذا بقي من ” ثورة النّاس “؟
طبعا من الحيف ان نعتبر انّ الثورة لم تغيّر النّاس ولا الحرية المفتوحة على السماء لم تحقق هدفا .. هذا حديث المتشائمين او الساعين في خرابها. إنّما لابدّ ان نعترف بالقول :” ما أكثر ما طمحنا وما أقلّ ما حققنا “! ولسنا في هذا دعاة صبر لعلّ الله يأتي بأمر كان مفعولا بل نقول هذا من باب التحفيز على التغيير و شدّ العزائم على اكمال المسار. أوّلا مسار العدالة الانتقالية قد ترسّخ برغم ما أثير حوله من ضوضاء فقد تقدمت الهيئة بتقريرها النهائي بعد ان وضعت مؤسسات القضاء الانتقالي وبدأت تلاحق من بيع وهم الانفلات ..
ثانيا، المحكمة الدستورية تعيش مخاضها الصعب لتكريس احترام الدستور وملاءمته للقوانين وتكون سلطة فوق السلطات ..
ثالثا، تأسيس لجنة انتخابية مستقلّة عن ” الشؤون المحلية ” تضمن شفافية الانتخاب و ايجابيته..
رابعا، تحرير الفضاء العام من عصا البوليس والمخبرين واحتكار السلطة ..
ثالثا، تحرر الصحافة من التعليمات و بداية تعافي المرفق العام الاعلامي بدخول أصوات جديدة ..
وغير هذا كثير ..وإن كنّا نعتقد – حتى تطمئنّ القلوب – أنّ التغيير العميق يحتاج أكثر من السنوات الثمانية التي مرّت و نكتفي في خاتمة المقال بأمر طريف هو ” لولا الثورة لما استطاع مغني الرّاب كادوريم القادم من حيّ شعبي أن يخطب بنت رئيس دولة “!!
كلّ عيد للثورة وتونس عروس البلدان ..

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *