المسجد الكبير بصفاقس.. “جوهرة” تنير ليالي رمضان صفاقس

( تونس) سامي فتيني/ الأناضول

مع ارتفاع الآذان مناديا للصلاة، تتدفق الحشود من جميع زوايا صفاقس، متجهة بخطوات حثيثة نحو المسجد الكبير في قلب المدينة العتيقة لأداء الفرائض، قبل أن تغادره لتنتشر في الأسواق المحيطة به، لابتياع احتياجات الإفطار. صرح ذو بعد رمزي لدى سكان المدينة، ينتصب شامخا بصومعته المطلة على المدينة العتيقة، سواء من “باب الديوان” أو من “باب الجبلي”، وسط البنيان المتراصة والأنهج الضيقة. ومنذ حلول شهر رمضان الكريم، إرتدى المسجد حلّة زاهية، حيث ازدانت صومعته وباحته بفوانيس مضيئة تزيد من بهائه، استعدادا لاستقبال المصلين ممن تتضاعف أعدادهم في الشهر الفضيل.

 

** منارة دينية تشعّ

في الشهر الكريم لرمضان وقع خاص في مدينة صفاقس الواقعة جنوبي تونس، وفي مسجدها الكبير الذي “شيّد في 800 م، في العهد الأغلبي في فترة حكم الأمير أبي العباس محمد (بين 234 هـ و236 هـ )، أي حين تولّى علي بن سلم البكري القضاء على صفاقس”، وفق المؤرخ التونسي الأزهر بدر الدين للأناضول. فعلى إمتداد هذا الشهر، يستقبل المسجد روّاده بالفوانيس المعلّقة في مختلف أرجائه وعلى ارتفاع صومعته.

ومع انقضاء اليوم، وحلول موعد آذان المغرب، تحث الحشود الخطى متجهة نحو المسجد، فتزدحم باحته بالمصلين حتى أن كثيرا منهم يعجزون عن العثور على موطئ قدم لهم بين الحشود. وقبل الصلاة، يتناول الصائمون بعض التمر واللبن، ممن يجود به المصلون أنفسهم أو المحسنون، ثم يؤدون الفريضة، ويعودون أدراجهم نحو منازلهم للإفطار. وعقب فترة سكون تتزامن مع الإفطار، تبدأ أولى حشود المصلين بالتدفّق من جديد على المسجد، بحثا عن مكان مريح للصلاة في ظل الإزدحام المتوقع في كل ليلة أثناء صلاة التراويح. وعند الإنتهاء من الفريضة، ينتشر بعض المصلين في محيط المسجد، باحثين عن المقاهي الصغيرة، لملاقاة الأصدقاء، فيما يفضل البعض الآخر العودة إلى المنزل للاستمتاع بأطباق الحلوى والمرطبات، أو التوجه إلى منازل الأقارب في انتظار حلول موعد السحور.

وإلى جانب دوره الروحي، يفتح المسجد أبوابه، نهارا، للباحثين عن نصيب من الراحة، هربا من أشعة الشمس الحارقة. ففي مختلف فترات اليوم، يتوجه الناس فرادى وجماعات نحو المسجد، لنيل قسط من الراحة، قبل استئناف أنشطتهم، كما يمكنهم أيضا غسل أطرافهم لاستعادة نشاط فقدوه جراء الحرارة المرتفعة والصيام.

 

** موقع “استراتيجي”

المؤرخ التونسي، يوسف الشرفي، قال للأناضول إنه « كلما إقترب المرء من مسجد صفاقس الكبير، إلا وتيقّن بأنه يتوسّط المدينة العتيقة تماما، بل هو مركزها، وهذه من بين ميزاته، خلافا لمساجد بعض المدن الأخرى، والتي غالبا ما تشيد في الأطراف». ميزة جغرافية تدعمت بتموقع المسجد في أكبر الأسواق المعروفة بالمدينة العتيقة، حيث يحده شرقا «سوق الجمعة»، وغربا سوق الخضار والأقمشة، وشمالا أسواق “الرّبَع” و”الكامور” و”الصاغة” (الحلي والذهب).

ويعتقد المؤرخون أن الموقع “الإستراتيجي” للمسجد هو ما يجعله اليوم الوجهة المفضّلة للمصلين من المدينة وحتى من الوافدين عليها، خصوصا في شهر الصيام، وهو أيضا ما يفسّر أهميته السياسية والإستخباراتية على مر العصور. فعلى مر العصور، مثّل المسجد ملتقى لأعيان صفاقس و للجامع الكبير دور سياسي حيث كان مكان اجتماع أعيان الجهة وعلمائها لمناقشة المستجدات وحسم الخلافات واتخاذ القرارات و كانت أول قنبلة أطلقت على المدينة في اتجاه صومعة الجامع الكبير التي قال لزهر عبد الكافي أن طولها يبلغ 25 مترا و بها 89 درجة و تغطي البرج الأصلي الذي بني فترة تأسيس المسجد أثناء محاولة القوات الفرنسية احتلال المدينة سنة 1881. و يقول يوسف الشرفي “للجامع دور استخباراتي رقابي حيث يقع إشعال النار أعلى الصومعة في حال وجود خطر داهم.” ** جوهرة معمارية ووجهة علمية مع أن المسجد شهد على امتداد الزمن أشغال تجديد وتوسعة، إلا أنه ظل محافظا على رونق معماري خاص به، ويجعل منه فسيفساء يتقاطع عندها المعمار القديم والحديث.

المصور الفوتوغرافي التونسي، زاهر كمون، وهو أيضا باحث في التاريخ المعاصر، قال إن “المسجد يضم قاعة صلاة فسيحة، وساحة، ويمكن الدخول إليه من عدة أبواب، أقدمها باب الجهة الشرقية المسمى ‘باب شاقور’ المطل على سوق الربع”.

و أضاف للأناضول، إن “غرفة الصلاة تنقسم إلى جزئين، واحد أصلي وآخر تمت إضافته عقب أعمال توسعة، ويرتبط الجزء الأصلي بساحة المسجد بـ 5 أبواب تفتح على الرواق الجنوبي وتسمى ‘البهور’، و تعلو هذا الجزء قبة تقابلها أخرى بالرواق الخارجي”. و بحسب الأزهر بدر الدين، يضم المسجد محرابيْن، أحدهما شيّد في القرن الثامن عشر، وكان يعتبر الأصلي إلى حين اكتشاف، منذ سنوات، محراب أقدم يعود إلى العهد الصنهاجي، تعلوه كتابة بالخط الكوفي والبسملة وبعض الآيات القرآنية.

أما عن دوره العلمي، فقال إمامه الحبيب قلال، للأناضول، إن “المسجد كان فرعا تابعا لجامع الزيتونة” حتى عام 1954، أي عامان قبل استقلال تونس عن فرنسا، ولقد ذاع صيته وحظي بشهرة واسعة على مر العصور. وينسب “التعليم الزيتوني” في تونس إلى جامع الزّيتونة، ثاني أهم المعالم الإسلامية في البلاد بعد جامع عقبة بن نافع بالقيروان، وهو في الوقت نفسه أقرب ما يكون إلى جامعة إسلامية لنشر الثقافة العربية الإسلامية في بلاد المغرب.

Share Button

أكتب تعليق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *