بالحبر الوطني: الثُّّلاثِي .. المهدّد للأجْر الرمضاني !

 

  • إذا كان الإمام “ابن رجب ” قد تحدث عن حال الناس مع  رمضان في عصره ( القرن الثامن الهجري ” الذي لم تكن فيه قنوات المسلسلات وبرامج الفوازير ،ولا تفاهات  الكامير الخفية  ، ولا سهرات  القمار التلفزي ،ولا مقاهي ولا غيرها من الملهيات .. فقال متحسّرا ، واصفا صومهم  : ”  صيامنا يحتاج إلى استغفار نافع، والى عمل صالح له شافع، كم نخرق صيامنا بسهام الكلام، ثمَّ نرقّعه، وقد اتسع الخرقُ على الراقع.”
  • فان صيامنا المعاصر أوسعُ خرقا  وأسوأ حظا  لأنه مهدّد في أجره وثوابه و في صحة قبوله بثلاثيّ خطير هو : رداءة  الفرجة  وسفاسف السهرة  وعربدة الجوارح  :
  • 1) انفلات الجوارح ..يلوث نقاوة الصوم :
  • قال بعض سلفنا الصالح “أهون الصوم ،الكف عن الأكل والشرب ” وهذا ما يمارسه الكثير من الناس ظنا  منهم ان ذلك هو المطلوب دون سواه ، متناسين نصيحة سيدنا “جابر بن عبد الله ” رضي الله  وهو المتخرج من جامعة سيّد الصائمين وإمام القائمين، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قال : ” إذا صمتَ  فليَصُمْ سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء!
  • إذاً كيف يسلم أو يصحّ صيام من لسانُه يعربد في أعراض الناس ،و بصرُه يلاحق ما يهيّج الغرائز و يحرّك الشهوة ، وسمعُه لاقطٌ لكل بذاءة قول وفحش كلام ،ويده لا ترتدع عن الأذى ؟  وكيف يصوم مَن أفطر قلبه على سيّء الأعمال، وذميم  الأخلاق، وانطوى صدره على الغش ، و العداوة ، والبغضاء والحسد  والعجب والرياء ؟؟

وهذه أبيات أربعة من روائع الشعر تلخص تعريف الصيام وتختصر مفهومه وأنواعه حيث   يبين الشاعر فيها أن الصوم مدرسة  وأن الصوم الحقيقي والكامل ،المحقق للمقصد الشرعي  “لعلكم تتقون”  هو انه مع الكفّ عن شهوتيْ البطن والفرج لا بد من  صوم الجوارح وصوم القلب

الصوم تزكيةُ النفوس وطُهرُها  *** تسمو النفوس ويخشع الوجدانُ

والصوم تربية الضمير فمن سَمَا  *** فيه الضمير تألّق الإيمانُ

 

صوم الجوارح أن تكفّ عن الأذى  *** لا صومَ في صومٍ به أضغانُ

 

كم صائم والصوم منه مبرّأٌ  *** وبرجسه يتفاخر الشيطانُ

 

ويبين شاعر آخر في بيتين حكيمين  اثنين  شروط صحة الصيام  وعلامات بطلانه :

 

اذا لم يكن في السمْع منّي تعفّفٌ *** وفي بصري غَضٌّ وفي منطقي صَمْتُ

فحظِّي إذاً من صوْميَ الجوع والظمَا  *** فإن قلتُ: إني صُمْتُ يوْمي فما صمْتُ

فمن أراد أن يصون صومه ويحفظ أجره ، فعليه أن يحقق لاءات سورة الحجرات التي ينهانا الله سبحانه  فيها عن مدمّرات العلاقات الاجتماعية وملوثات الإيمان  وهي من أمراض القلوب و عيوب الجوارح :

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ”

2)  رداءة الفرجة  ومصير ثواب الصوم اليومي

وهذا مما لا يتفطن إليه  الكثير  من الغافلين  : فالصائم بعد نجاحه  في تجاوز ساعات العطش والجوع والصبر والتصبر ،وبلوغه المغرب  ،ما إن يجلس إلى مائدة إفطاره إلا ويستفتح شوط  الأكل والشرب  بالفرجة الحرة على ما تلفظه وتقذفه قنوات ليس لها حياء ولا حشمة ولا ضوابط أخلاقية ولا قيمية فيما تقدمه بالصوت والصورة والألوان من مشاهد مائعة و منوعات ساقطة ورداءات  ممجوجة مما يسمى “كاميرا خفية “وليست بالخفية ..و سموم مسلسلات محلية و عالمية مدبلجة..هذه الفرجة اليومية عند الإفطار نراها   تحرق اجر الصوم من حيث لا يشعر الصائم وتدمر ما اكتسبه من حسنات  يومِ عطشٍ وجوعٍ وصبرٍ..فالعاقل هو من يحذر ويحتاط  من متابعة كذا فرجة ، ولا يكون فريسة  سهلة مجانية  للإعلام الفاسد

3)  سفاسف السهرة تحرق  أجر القيام   

من الظواهر المباركات في رمضان  و بصماته الليلية ، زحامُ التراويح  في جل مساجدنا حيث  ينحدر الناس  إليها ، يستمعون القرآن ،يتتبّعون ويتابعون أصحاب الأصوات النديّة والتلاوات الرقراقة ..وهذه من بركات رمضان ومكاسب شهر الصيام  الذي أنزل فيه القران .

ولكن ما يؤسف له أنه ما ان تنتهي حصة التراويح بزخمها التعبّدي ، حتى ينصرف  الجميع  إلى  مشاغل أخرى  وسهرات ، بدعوى الترويح عن النفس ،واخذ جرعة من المزاح والتسلية  بعيدا عن انضباط المساجد ووقار الصلاة ..غير أن هذا النصيب الليلي المسمّى ب”السهرة ” والتي يحرص عليها الكثير من الناس، قد تفسد مكاسب تلك الركعات والسجدات  وتذهب بأجر ذلك  الإنصات إلى التلاوات ،وذلك بما يقترفه الساهرون في لقاءاتهم  من قيل وقال  وسفاسف الأطروحات التي قد تجرّ  إلى الغيبة  والهمز واللمز ونشر غسيل الناس وهتك أعراضهم .

فالكيّس منا  هو من يحتاط لرمضانه من هذا الثلاثي النكد ، فيحفظ صيامه  ويؤمّن قيامه  حتى يضمن اخذ جائزته يوم فطره ويحقق فرحته يوم لقاء ربه

 

/ عبد القادر عبار

Share Button

أكتب تعليق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *