تقديم كتاب الولايات المتحدة الأمريكيّة بين القوة الصّلبة والقوة الناعمة

*
الكتاب الصادر حديثا للدكتور رفيق عبد السلام
نشر عن مركز الجزيرة للدراسات

مقدمة

يتناول هذا الإصدار للدكتور رفيق عبد السلام واقع القوة الناعمة الأمريكية، وصلتها بظاهرة الهيمنة الواسعة التي كانت وما زالت تتمتع بها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كما يعمل على رصد المتغيرات الحاصلة في المناخ الدولي العام عقب صعود المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض، وتأثير ذلك على النفوذ الأمريكي في الساحة الدولية ورؤية شعوب العالم للقوة الأمريكية للتعمق في فهم عناصر قوتها وأسسها وتنوعها بين النعومة والصلابة، وعلاقتها بالمصالح الاستراتيجية ومدى تأثيرها في العلاقات الدولية وفي إرساء أسس النظام العالمي إثر الحرب العالمية الثانية. كما تتبين لنا مظاهر الهيمنة الأمريكية وطرق تعاملها مع الأزمات وبؤر التوتر الدولية وانعكاسات ذلك على رؤية شعوب العالم للقوة الأمريكية.

أمريكا خصائص القوّة و أدوات النّفوذ

استعرض المؤلف أهداف بحثه المتمثلة في “تسليط الضوء على واقع القوة الناعمة الأمريكية وصلتها بظاهرة الهيمنة الواسعة التي كانت وما تزال تتمتع بها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية” و “رصد المتغيرات الحاصلة في المناخ الدولي العام عقب صعود المحافظين الجدد إلى سدة الحكم، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر” و “تأثير هذه المتغيرات في النفوذ الأمريكي في الساحة الدولية، وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط”. يشير المؤلف إلى أن مصطلح القوة الناعمة “قد شهد انتشارا واسع النطاق منذ أن صك الباحث والسياسي الأمريكي جوزيف ناي Joseph Nye هذه الكلمة بداية تسعينات القرن المنصرم” (ص7). ويستعرض في هذا الصدد تعريف القوة الناعمة كما قدمه جوزيف ناي باعتبار: “القوة الناعمة هي في جوهرها قدرة أمة معينة على التأثير في أمم أخرى وتوجيه خياراتها العامة وذلك إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي ومنظومة قيمها ومؤسساتها بدل الاعتماد على الإكراه والتهديد” (ص9). إذ يعتمد التأثير الأمريكي بالقوة الناعمة على الديبلوماسية والاقتصاد (التجارة والمساعدات… ) ومنظومة القيم المتمثلة في الثقافة العامة وذلك لتحقيق “الاحتواء الخفي والجذب الليّن .. للنخب والجمهور على السواء” (ص 9-10). وهكذا تغني “آليات الجذب والإغراء الناعمين .. عن استخدام القوة العسكرية، مادام من الممكن الوصول إلى الأهداف المبتغاة من دون اللجوء إلى استعمال القوة أو التهديد باستخدامها أصلا” (ص 10).هذا ما سعت الولايات المتحدة إلى اعتماده واستعماله خاصة في الدول الدائرة في فلك النفوذ الغربي والسائد آنذاك خاصة وأن الولايات المتحدة قد برزت كقوة اقتصادية أولى في العالم وأصبحت تستعمل المساعدات في شكل ما كان يسمى (السلاح الأخضر) أي السلاح القائم على المعونات الغذائية للدول الفقيرة لجذبها إلى الفلك الأمريكي في مواجهة الفلك الشرقي السوفييتي أو الصيني. وقد لعبت الشركات متعددة الجنسية والتي تغلب عليها المساهمات الأمريكية والقروض عن طريق مؤسستي البنك العالمي وصندوق النقد الدولي وكذلك (أفلام هوليود) والموسيقى (الجاز والبوب خاصة) والقيم الاستهلاكية والتوزيع الواسع لرموز التجارة الأمريكية (الكوكا كولا – البيبسي كولا – ملابس الجينز – العلكة – ماكدونالد …) دورا بارزا في تعزيز نجاح القوة الناعمة في بسط النفوذ الأمريكي الاقتصادي والثقافي والسياسي. وهنا يستحضر المؤلف حرص الشعوب على السير على منوال الدول القوية “ذات القبول والتي تحظى بالجاذبية الكافية” وتقليدها والتأثر بنموذجها. ويعلق الدكتور عبد السلام على تعريف جوزيف ناي للقوة الناعمة بالتأكيد على أن القوة الناعمة “لا تخلو بدورها من وجوه إكراه خفي وظاهر متنوعين، بما يجردها من خاصية النعومة أصلا. أو ليس توجيه سلوك الآخرين والتحكم في وعيهم من خلال آليات الضبط والتأثير الناعمين يعدان شكلا من أشكال الإكراه المبطن الذي قد تفوق خطورته ممارسة العنف الممنهج في الكثير من الأحيان ؟ أليس إغراء الناس بقبول ما يناقض حاجاتهم ومصالحهم من خلال استخدام أدوات الديبلوماسية الناعمة من دعاية ولعب على العواطف ومختزنات الشعور (أو اللا شعور) تعد شكلا من أشكال العنف المتخفي؟ هذا دون أن نتحدث هنا عما تحمله هذه الرؤية الذرائعية من استخفاف بوعي الناس وإرادة توظيفهم لصالح استراتيجيات الهيمنة والتحكم، وكأنهم مجرد قطع شطرنج يتم تحريكها من دون حول لها ولا قوة؟” (ص11 – 12).

هذا ويذكرنا المؤلف برؤية ابن خلدون عن تقليد المغلوب للغالب و ما يلاحظ من تأثير الدول والثقافات الاستعمارية في الدول والمجتمعات التي كانت من بين مستعمراتها (اللغة، اللباس، الطعام…) مما يؤكد التبعية الثقافية إلى جانب التبعية السياسية والاقتصادية (المبادلات التجارية …). وهكذا تصبح النخب المتأثرة بنموذج القوى الكبرى و “المرتبطة بنيويا بمراكز السيطرة الدولية .. مؤتمنة على حماية نظام القيم والثقافة المهيمنة ومصالح قوى السيطرة الدولية أكثر من ائتمانها على قيم ومصالح مجتمعاتها.” (ص13). ويذكر مثالين لهيمنة الدول الكبرى عبر المؤثرات الثقافية وهما الرابطة الفرنكوفونية ورابطة الكومنويلث. و يذكر كمثال على التأثير الأمريكي القوي في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية مشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا الغربية وتحريك عجلة اقتصادها المعطلة.

لقد كان النفوذ الاقتصادي دائما من أولويات سياسة الهيمنة الأمريكية، فقد “خطب الرئيس الأمريكي ويلسن سنة 1916 في مؤتمر لرجال الأعمال الأمريكيين بمدينة ديترويت قائلا: إن ديمقراطية الأعمال الأمريكية يجب أن تتولى موقع القيادة بما أسماه بالغزو السلمي للعالم … وقد أضحى شائعا منذ وقت مبكر مقولة مفادها إن ما هو جيد لجنرال موتورز هو جيد لأمريكا وما هو جيد لأمريكا جيد بالتالي لجنرال موتورز.” (ص24). ولكن هذه القوة الاقتصادية والثقافية الناعمة استفادت بالتأكيد من القوة العسكرية، ومن ثم “كانت هي الأقدر على انتزاع الأصوات وافتكاك مواقع النفوذ العالمية”.

(ص24). ويستعرض الكاتب أهم الخصائص المميزة للقوة الأمريكية والتي ساعدتها على فرض هيمنتها وسيطرتها عالميا (ص25-27). ويبرز الكاتب أن انتصار اللولبيات المتحدة ومعها المعسكر الغربي عموما على المعسكر الشرقي في خاتمة الحرب الباردة كان “يعتمد القوة العسكرية وترسانة الردع النووي والصواريخ العابرة للقارات بقدر ما كان يعتمد القوة الناعمة المستندة إلى وسائل الدعاية والإعلام وأدوات الديبلوماسية العامة المؤثرة جدا في اتجاهات النخب والجمهور الخاضعين لأنظمة الحكم الشيوعي” (ص 92-30) . وفي قراءة لواقع القوة الناعمة الأمريكية، يبرز المؤلف كيف أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية ما بين 1990 و 2000 القوة المنفردة فعليا بقيادة الوضع العالمي وذلك بسبب حالة الفراغ الهائلة التي خلَّفها تفكك المعسكر الشرقي. وقد تزامن ذلك مع ثورة المعلومات وظهور عالم الأنترنات والفضائيات العابرة للقارات … وهكذا سيطرت الموسيقى والأفلام والتلفزيونات الأمريكية على مختلف قارات العالم وشعوبها (ص 33). ويورد المؤلف في هذا الصدد ما كتبه فرنسيس فوكوياما في كتابه الشهير “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، فقد رأى فوكوياما في النموذج الليبرالي الأمريكي المعولم “نهاية المطاف وخاتمة المسير في تطور النظم الاجتماعية والسياسية وأصبح البديل الممكن والوحيد المتاح أمام البشرية هو مزيد الإقبال الطوعي على الأخذ بالنموذج الليبرالي الأمريكي قبل أن يفرض نفسه كرها على الجميع بحكم ما بات يتمتع به هذا النموذج من قوة ونجاعة فائقتين” (ص 34-35). ويستعرض المؤلف التفوق العالمي الهائل للولايات المتحدة في مجالات الإعلامية والأقمار الصناعية والفضائيات والشركات متعددة الجنسيات والجامعات ودور النشر ودور البورصة وصناعة السينما إلى جانب امتياز انتشار اللغة الانكليزية والدولار كعملة تداول عالمية (ص 37-41). لكن المؤلف لا يغفل عن الإشارة إلى “ما تشهده القوة الأمريكية من تراجع ملحوظ في مجال نفوذها الناعم نتيجة ما بات يحيطها من ريبة وكراهية واسعة في مختلف مناطق العالم، جنبا إلى جنب مع مصاعبها العسكرية المتفاقمة على الأرض” (ص 41). ويستعرض الكاتب استطلاعا للرأي تم في جوان – حزيران 2007 أجراه مركز بيو للبحوث The Research Center شارك فيه 45239 شخصا من 47 دولة، وأبرز الاستطلاع “أن صورة أمريكا في العالم الإسلامي” تبدو أكثر قتامة وسوءا .. وقد تغذى هذا الشعور من مجمل السياسات والمواقف الأمريكية إزاء جل القضايا العربية و الإسلامية” (ص 43). كما تطرق إلى مأزق المشروع الديمقراطي الأمريكي وتبدد القوة الناعمة الأمريكية في الشرق الأوسط. (ص 45-57).

 

وقد اعتمدت الولايات المتحدة سياسة كسب العقول والقلوب عن طريق ما يعرف بمعركة الأفكار لتحسين صورتها في العالمين العربي والإسلامي خاصة بعد ما تفاقمت حالة كراهيتها وأصبحت تشكل “إزعاجا كبيرا لصانعي القرار الأمريكي” (ص 59). وقد أدت هذه السياسة إلى مفارقة عجيبة بعض السيء تسم سلوك شعوب المنطقة إزاء مظاهر القوة الناعمة الأمريكية، حيث تمتزج مشاعر الكراهية والغضب مع مشاعر الإعجاب والانبهار (ص 66). ولكن الولايات المتحدة لم تتخل أبدا عن إبراز قوتها الصلبة والتلويح بالتدخلات العسكرية والتدخل في شؤون البلدان لتغيير واقع المنطقة بالنعومة أو بالقوة أو بكليهما. وهنا كانت فترة تولي المحافظين الجدد الحكم منذ عهود ريغان وبوش الأب وخاصة في ظل رئاسة بوش الإبن فرصة لمزيد بسط الهيمنة الأمريكية باعتماد القوة الصلبة. فكان “مشروع من أجل قرن أمريكي جديد” بقيادة وليام كريستول بمشاركة رموز عدة من المحافظين الجدد مثل بول ولفوفيتيز وريتشارد بيرل ودوغلاس فايت وجون بولتون وغيرهم. (ص 67-82). وهكذا كانت الحرب على العراق ومشاريع الشرق الأوسط الكبير ونظرية الفوضى الخلاقة. ويبرز المؤلف أن هذه الفترة قد زادت من مشاعر الكراهية ضد الولايات المتحدة كما عرفت العودة القوية لكل من روسيا والصين على الساحة الدّولية، وبالتالي بداية النهاية للهيمنة الأمريكية المنفردة وبروز نظام عالمي جديد لا تنفرد الولايات المتحدة بقيادته.

خاتمة

يشير الكاتب في الخاتمة إلى أن “القراءة الثاقبة والمتمعنة للمشهدين الأمريكي والعالمي توحي فعلا بأن القوة الأمريكية تسير في خط تراجع وليس تصاعد … وربما سيسجل التاريخ أن مرحلة بلوغ أوج القوة والمجد العالميين كانت هي نفسها بداية التراجع والانكماش في وضع الولايات المتحدة الأمريكية …” (ص83).
بلقاسم حسن

Share Button

أكتب تعليق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *