حزب يوسف الشاهد الجديد : الفكرة والبنية ومدى الفاعلية؟

  • فكرة الحزب الجديد  

لو قُمنا بقراءة سريعة للتطورات التي جدت في المشهد السياسي التونسي منذ أوت 2016 (تاريخ مباشرة حكومة الشاهد الأولى)، يُمكن التأكيد أن جذور فكرة الحزب الجديد قد انبنت عمليا على عاملين رئيسيين لم يقع الانتباه إليهما وكل ما عدا ذلك من عوامل وأسباب هي حسب رأينا هوامش وتفاصيل تقنية وفنية وثانوية من حيث التأثير:

  • عامل تاريخي: ونقصد بذلك الارتباط بذهنية وبُنية الحركة الدستورية ومكوناتها التاريخية وتعدد انقسماتها منذ عشرينات القرن الماضي، ذلك أن عامل الخلافات والصراعات بين المؤسسين والفاعلين راسخة تاريخيا فمنذ السنوات الأولى لتأسيس “الحزب الحر الدستوري التونسي” (بقيادة الشيخ الثعالبي) سارع البعض من الدستوريين إلى تأسيس حزبين خارجه وهما الحزب الإصلاحي (بقيادة حسن القلاتي) والحزب الدستوري المستقل (بقيادة فرحات بن عياد)، أما في سنة 1934 فقد انشقت مجموعة العمل التونسي بقيادة الماطري وبورقيبة وبعثت الحزب الدستوري الجديد والذي انقسم أثناء مفاوضات الاستقلال الداخلي إلى شقين رئيسيين (الأمانة العامة – الديوان السياسي) وقد تصفية الشق الأول عبر الإعدامات وعمليات الاغتيال المنظمة والمرتبة إضافة إلى التهجير والسجون لرفاق النضال، أما في سنة 1964 فقد تم تبني تسمية ” الحزب الاشتراكي الدستوري” والذي خرجت منه أيضا مجموعة التيار الليبرالي بداية السبعينات، وفي عهد المخلوع فقد  تحول الحزب إلى إدارات وهياكل ملحقة فعليا برئاسة الجمهورية ليشهد صراعات صامتة بين أجنحته المتعددة…

وبعد حل التجمع قانونيا بعد ثورة الحرية والكرامة أسس كل تيار سابق  حزبه الخاص حتى قارب عدد الأحزاب الدستورية/التجمعية حوالي الأربعين حزبا وبعضها انشق عل نفسه والبعض الآخر مات سريريا بينما انصهرت أخرى بطرق ملتوية في نداء تونس والذي بمجرد كسبه لتشريعيات 2014 انطلقت الصراعات الحادة داخله ولم يبلغ عمره خمس سنوات حتى أصبح مؤسسوه بين أحزاب خمس ( النداء – المشروع – بني وطني – المستقبل – تونس أولا )، وهي أيضا لم تتجنب الانقسام داخلها حتى أن نداء تونس ومنذ 2016 بلغت التيارات داخله حوالي ست تيارات رغم سيطرة تيار المدير التنفيذي…

  • العامل الدولي: ترتكز رؤية الفاعلين الدوليين بالأساس أن فاعلية التيار الإسلامي التونسية ووحدته المتكاملة والمتمثلة سياسيا في حركة النهضة، لابد لها من حزب رئيسي قوي قادر أن يلعب دور المنافس والحليف (ووفقا للمتغيرات في الشرق الأوسط)، وهذا العامل الثاني هو الذي أوجد حالة الصراع بين الشاهد والسبسي الابن منذ البداية بل في مؤثرات الصراع بين مجموعة مرزوق والسبسي الابن في أكتوبر 2015 وهنا طرحت فكرة رئيسية تجسديا هل النداء أو المشروع أو الجمهوري هو من سيلعب ذلك الدور الوظيفي المرحلي استجابة لمصالح الغرب وتغطية لفراغات المشهد السياسي داخليا وحزب تراهن عليه لوبيات الداخل ومطامح محافل عالمية وشركات عابرة للبلدان وتنقل إليه ماكينة النخبة الأقرب للغرب فكريا وسياسيا وثقافيا؟ ومعلوم أن أغلب قياديي النداء قد استقدموا من الوطد (عبدالجواد– قراش) ومن التجديد ( الرميلي- رضا بلحاج..) ومن أحزاب “المؤتمر” (القطي – انس الحطاب…) ومن “التكتل” ( كسيلة – بشرى….) و”الجمهوري” (“ناجي جلول” – “العزابي” – “العايدي” وحوالي مائة شخصية بما فيها الشاهد نفسه)، وهي نخبة مثلت الجوهر الإطاري والنخبوي للنداء ثم غادرته في اغلبها حاليا في اتجاه الحزب الجديد بعد أن غادر بعض أعضائها للمشروع وبقية مشتقات النداء….
  • بُنية الحزب ومدى فاعليته         

بغض النظر عن تعدد الأخبار خلال الأيام الماضية حول تطورات تنسيقيات وهيكلة الحزب الجديد، فانه قد تم العمل على بنائه احتياطيا منذ أشهر وقد غادر بن غربية الحكومة للترتيب اللوجستي والعمل تهيئة البنية المالية والهيكلية له، وفي خطوة ثانية ضحى العزابي بمنصبه في قصر قرطاج ليشرف على البناء التنظيمي له…

وان تم عمليا تحاشي تسميته بــ”النداء الجديد” تجنبا لإرهاصات التاريخ المتولدة وابتعادا عن مزيد من التجاذب مع ما بقي من نداء تونس، فانه يمكن الجزم أن الكيفية التراكمية لصورة الحزب ستغلب على العقل البنائي المنظم والاستراتيجي وتسارع النسق وضغط الزمن سيوقع مؤسسيه في نفس أخطاء النداء التي كانت ترتباتها كارثية حيث سيفكر أعضاؤه وأساسا المهندسون الأعضاء أو مستشاري الداخل والخارج عليه في مدى القدرة على تحقيق كسب انتخابي بأفق تمني الحصول على أكثر من 109 نائبا خلال الانتخابات القادمة، وهو حلم أشبه بالمستحيل في ظل بوادر المشهد السياسي الحالي من حيث القانون الانتخابي والعتبة وتراجع شعبية الدساترة/يسار بعد 2014 ونتاج المتغيرات الإقليمية وطبيعة الرهانات الاجتماعية، وحتى لو قبل حزبي “المبادرة الدستورية”(مرجان) و”المشروع”(مرزوق) الانصهار في الحزب الجديد فان القدرة التنافسية والإشعاع الشعبي لا يمكن أن يُمكنا من أي كسب خاصة وان أعضاء الكتلة كنواة رئيسية صُورهم كلاسيكية في ذهنية الناس والناخبين والفاعلين الاجتماعيين كما أن بقايا النداء سيكونون عامل تثبيط معنوي وسياسي وتنافسي للحزب الجديد رغم أن اغلب من في النداء الحالي قد يغادرون للمركب الجديد بشكل متواتر وكمي بما يعني أن المعادلة الصعبة لمؤسسي الحزب الجديد أنهم غير قادرين على إيجاد الزخم الذي بني عليه نداء تونس في جوان 2012 لا من حيث الزمن ولا الآليات ولا الظروف ولا الخطاب، فمؤسسو الحزب في حاجة مرحلية لحركة النهضة وكل ذلك يعني أن الحزب الوليد أمامه عمل كبير وماراطوني ليكسب بقية معاركه ضد بقايا النداء وإخراج منافسيه في الساحة على غرار “الجمهوري” و”آفاق تونس” لأنهم يستقطبون نفس الناخب الذي وظفه النداء واستقطبه…

وفي الأخير تبقى قدرة الحزب الجديد محدودة وما قد يكسبه مرتبط بالظروف والآليات وبالإقليمي والدولي أيضا وطبيعة المتغيرات خلال الأشهر القادمة في تونس وطبيعة التطورات في مصر وليبيا والجزائر، وحتى لو كسب الحزب هامشا من المعركة السياسية سنة 2019 فان بُناه التنظيمية ستكون هشة أمام أولى المنزلقات ليجد نفسه في نفس المطبات التي هزت  النداء…

المصدر:  صحيفة الرأي العام العدد 90  بتاريخ 10 جانفي 2019

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *