حقوق وحريات …. في كل الإتجاهات بقلم النائبة محرزية العبيدي

إذا كانت توطئة الدستور هي روحه فباب الحقوق والحريات هو العمود الفقري الذي لولاه لما استقام المشروع كله. اللجنة التي تكفلت بهذا الباب كانت فريدة مثل أسم رئيستها السيدة فريدة العبيدي والتي يحلو لي أن أسميها “فيروزة” ويعتقد البعض أنها أختي ويحلو لي أيضا أن أتركهم يعتقدون ذلك فهي حبيبة لقلبي كأخيّة صغرى.

فريدة من حيث أنها رئيسة اللجنة الوحيدة بين اللجان الست التي تترأسها امرأة وتنوبها إمرأة وهي السيدة سلمى بكار وتتولى مساعد المقرر فيها امرأة وهي السيدة حسناء مرسيط. بين الثلاث نساء كان هناك تناغم واحترام ولئن لم يكنّ دائما متفقات على الفكرة.

وأنا أتابع عمل هذه اللجنة اكتشفت قدرة فريدة العبيدي على التسيير واستيعاب كل المواقف وإن تضاربت بحدّة. تكوينها القانوني ودربتها على العمل مع زملائها المحامين أعطتها منهجيّة في دفع النقاش للأمام بالرغم من وجود نقاط لم تحسم فيما بين النواب مع المحافظة على علاقة احترام مع الجميع.

سلمى بكّار تتمتع بكريزما وبقدرة تأثير وإقناع على محيطها من النواب بحكم خبرتها. فقد استطاعت أن تروّض أعتى الشخصيات المتواجدة معها في نفس اللجنة. وبين هاتين الشخصيتين القويتين كانت حسناء مرسيط، هادئة ولكنها تمتلك قدرة رهيبة على التمسك برأيها والسعي لفرضه بسبل عدة وعبر محاولات متتالية.

باقي أعضاء اللجنة لا يقلّون قوة مراس فمن بينهم منية إبراهيم إحدى قياديات النهضة وأحمد ابراهيم قيادي المسار ومراد العمدوني قيادي التيار الشعبي وإياد الدهماني قيادي الجمهوري والذي كان مقرر اللجنة واسكندر بوعلاقي قيادي تيار المحبة….كل نواب هذه اللجنة شاركوا في لحظة أو في أخرى في إثراء النقاش فيها.

كانت في متابعة أشغال اللجنة متعة الاستماع لحوار عادة ما يكون عميقا وحادا حول حق يراد تثبيته في الدستور ليكون مكسبا للمواطن التونسي مثل حق السكن والتنقل والعمل والإضراب والتنظّم والاحتجاج والتظاهر والتدواي والتعلم والتثقف…فكنت ترى صاحب المقترح مصرا على الصّيغة التي يقترحها، بينما تجد ثلاث أو أربع ينقدونها وكل يقترح إضافة جديدة وخامس يحاول التوليف بين هذا وذاك وسادس رافض للحق المذكور أساسا. أما إذا دار النقاش حول حريّة يراد تثبيتها في الدستور فلا تسل عن “حرارة جو” اللجنة فبين قابل ورافض للمقترح وبين من يتبنى الطرح الكلاسيكي الذي يقتضي أن يذكر مع كل حرية تمنح الظرف الذي يتمّ فيه تحديدها والطرح المجدّد الذي يريد ذكر الحريات على إطلاقها…

مواضيع شائكة وعديدة تناولتها هذه اللجنة مثل تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، حق اللجوء السياسي، المساواة التامة بين الرجل والمرأة والتكامل بين دورهما في الأسرة، المساواة بين المواطنين أمام القانون أو في القانون، حرية الإضراب وحرية العمل، تثبيت التناصف في المجالس النيابية من عدمه، حقوق الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة….بعض هذه المواضيع حُسم في اللجنة وبعضها في الحوار حول الدستور مع المواطنين أو في هيئة الصياغة والتنسيق، وأخيرا في هيئة التوافقات ولكن ليس هذا الأهم.
أهمّ شيء في لجنة الحقوق والحريات هي أنها كانت مدرسة في التبادل الحر للرأي والدفاع عن القناعات مع تعلم احترام الرأي المخالف والسعي لبناء أرضية مشتركة تعلي قيمة الحقّ والحريّة برغم كل الاختلافات.

علاوة على الزملاء المذكورين أعلاه تبقى هذه اللجنة في ذاكرتي مقرونة بسلمى مبروك واصرارها على الرفع من سقف الحريات، منيرة عمري وسعيها لإقرار الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، علي فارس وصداقته مع الجميع وخاصة سلمى، ابراهيم القصاص ودهشته من الحريات التي طالب بها البعض من زملاءه، ابراهيم الحامدي وتشبثه بالرجوع للثوابت الإسلامية كما يفهمها ويطرحها هو …

مرّ عمل هذه اللجنة بأوقات صعبة وأعيد النقاش فيها لمرات عديدة، وانطلقت من خلال نقاشاتها حملات صحفية…ولكنها أنجزت عملا جيدّا كان أساسا لبناء باب الحقوق والحريات الذي نفخر به كلنا، ثم إن العلاقة الإنسانية التي تكونت بين أعضائها مع تواصل اختلافهم في الرأي تستحق الإكبار.

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *