عبد اللطيف العلوي يكتب: بالانتخاب، لا بالانقلاب !

المتأمّل في تاريخ الثّورات، يقف على حقيقة ثابتة ومشتركة بينها جميعا أو بين أغلبها، وهي أنّها في موجاتها الأولى تجتذب فئات كثيرة من قوى المجتمع، وتشهد زخما شعبيّا واسعا من مختلف الأهواء والحساسيّات السياسية والايديولوجيّة. كلّها رغم تناقضها الجوهريّ أحيانا، لكنّها تجتمع تحت عنوان جامع يوحّدها هو إسقاط النّظام.

لكنّه من الطّبيعيّ بعد ذلك، أنّنا كلّما ابتعدنا عن اللحظة الثّوريّة، تعود تلك القوى إلى مصالحها وأجنداتها الحزبيّة وحتّى فردانيّة زعمائها. تتفكّك تلك التّحالفات التّلقائية الأولى وتبدأ الحسابات وحروب التّموقع، ويعاد تشكيل خريطة التّحالفات والأهداف. تخفّ الحماسة نحو المشترك الوطنيّ، وتبرز قوى أخرى متضرّرة من الثّورة، تتحالف مع المنظومة القديمة، وتسعى إلى ضرب المسار عبر تيئيس النّاس وتبخيس نضالاتهم وتضحياتهم، تسعى إلى التّشكيك في دوافع الثّورة وأهدافها ومشروعيّتها.

كلّ هذه الاعتبارات تستغلّها قوى الثّورة المضادّة دائما لترذيل الثّورة في أعين النّاس، عبر حقن الأدمغة بمجموعة من الأوهام، كي لا يشعر الإنسان أبدا بأيّ قدر من الرّضى أو الامتنان أو الولاء للثورة.

الثورة التونسية لم تحسم معاركها في ساحات القتال، فلم تنصب المشانق ولم تتطاير الرّقاب. لم تحسم معاركها أيضا في ساحات السياسة، تآمر عليها الضّحايا أنفسهم وتحالفوا مع جلاّديهم ولعبت فيها مراكز المال والنّفوذ والإعلام دور الشّيطان الملائكي.
الثورة التونسية لن تحسم معاركها إلاّ في ساحات الوعي، الثورة معنى وقيم وحالة كرامة وتحرّر، إذا استطعنا أن نغرسها في عقول الجيل الجديد، بهذا المعنى فقد انتصرنا نصرا مبينا لا هزيمة بعده ولا ارتكاس .
كلّ عيد للثورة هو يوم هجرة جديدة مقدسة…
هجرة من أرض الخوف والمذلة، إلى ساحات الشّرف والأمل والحياة.
نعرف أنّ مسامير بن علي مازالت مزروعة تحت أقدامنا الحافية، ونعرف أنّ الثورة المضادّة غرست في البلاد أظافرها الوسخة حتى أدمتها، ونعرف أنّ كلاب الدّم أخذوا جرعة كبيرة من الأوكسيجين بسبب الخيانات وحالة الارتباك الشديدة التي سقطت فيها قوى الثورة…
لكنّ تونس اليوم، رغم كلّ ذلك، تونس الجريحة، تونس الموجوعة، تونس الجائعة، تونس المغدورة، تونس الحائرة، هي اليوم، أفضل من تونس الطرابلسية بمليون سنة ضوئيّة…
لقد أسقطنا الحصانة عن الجميع، وإلى الأبد…
والّذين يفرحون بعودتهم نقول لهم:
سنطولكم بأيدينا فإن لم نستطع فبحجارتنا فإن لم نستطع فبكلماتنا، ولن نسمح لكم بأن تتحوّلوا مجدّدا إلى نظام أو إلى أمر واقع مهما حاولتم…
لدينا اليوم من الأسلحة مالم يكن لنا أبدا…
صبرنا ووعينا ويقيننا وحناجرنا ومصابيح الشهداء المعلقة في كل باب…
ولديكم تاريخكم المهين، تاريخ الخزي والعار والبهتان، ستحملونه أياما أو أشهرا أو أعواما، ثمّ تغرقون في أوحاله…

لا توجد مدارس تتعلّم فيها الشّعوب كيف تثور.
قدر الشّعوب أن تتعلّم الثّورة في الميادين وفي السّجون وعلى المشانق وفي أقبية التّعذيب، وفي ساحات الانتخاب…
قدرها أن تتعلّم الثّورة وهي تعدّ شهداءها وجرحاها وخيباتها وتحصي خيانات الثّائرين وتخاذل الجاهلين، وتتعلّم الدّروس…
قدرها أن تسير الطّريق كاملا وتتعلّم من كلّ خطوة تخطوها وتدفع ضريبة الدّم والدّموع والخيبات والخيانات، ليس هناك طريق آخر …
الشّعوب لا تموت!
يمكن أن تمرض وتجوع وتُجهَّل، يمكن أن تضعف وتخاف وتُخْضعَ بالحديد والنّار لفترة معيّنة، يمكن أن تُستَنْزَفَ طاقاتُها في مرحلة معيّنة من مراحل التّاريخ، يمكن أن تُسلَبَ إرادتُها وتُدجَّن لفترة معيّنة، لكنّها لا تموت ولا تندثر!
عندما كنّا في الثّمانينات والتّسعينات، من كان يتوهّم للحظة أنّ شعوب العرب يمكن أن يأتي يوم وتنتفض وتثور وتحطّم أسوار الخوف وتسقط جبابرة كنّا نراهم آلهة، لا تدركهم الأبصار ولا تطالهم يد التّاريخ.
لكنّها فعلتها وفجّرت عصرا جديدا مازال يتفاعل ويتدحرج ككرة ضخمة من النّور والنّار لن يمنعها شيء من أن تفعل فعلها مهما دارت الدّوائر.
نحن ننتصر، مهما كانت التّفاصيل والحيثيّات والانتظارات وسقوط المثاليّات والهزّات والنّفضات، نحن ننتصر، والثّورة تنتصر وليس لديّ أيّ شكّ في ذلك…
يكفي أنّنا فرضنا عليهم المعادلة البسيطة التّالية:
بالانتخاب، لا بالانقلاب.

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *