«عــلــي نــويــر» (10 أفريل 2016): الصفحة 16 من دفتر الفراق الحلقة 2

صالح نوير

« الله أكبر. على نوير. «20 أوت 1948ــ 10أفريل 2000 رحمه الله رحمة واسعة»

وهل يعقل أن يغلق القوس؟

أين العشريات المتتالية من العمل الدؤوب والبناء والعطاء والمكابدة وجسارة في الحق وجهد مستميت في بناء الناشئة وتنوير العقول ومقاومة الجهل والجور والاستبداد؟ هل يُعقل أن يُختزل ذلك في سطر تخطه على قبره يد نحّات مأجور؟ ثم ينتهي كل شيء؟

حياة مدرسية متميزة: من الابتدائية انتقل إلى الإعدادية بتفوق نادر ثم المدرسة القومية للأساتذة المساعدين شعبة الرياضيات، ولما كان ألمعيا فُتح له باب «دار المعلمين العليا» ليتخرج برتبة متميزة.. ويشرع في تدريس الرياضيات بمعاهد الجنوب ثم في مدن الساحل التونسي..

يسّرت له الأقدار أثناء حياته الطلابية وفي غضون سبعينات القرن الماضي موضع قدم في قطار الحركة الطلابية الناشئة. حياة طلابية كانت مفعمة بالمطالعات. يقرأ لفلاسفة الثورة الفرنسية، الأدب الرومانسي والوجودي، كان شغوفا بأدبيات “سارتر” و”كامو” ولم يكن تخصصه في الرياضيات يحول دون التوسع المعرفي  ومواكبة التيارات الفكرية والفلسفية والأدبية سواء القديم منها أو المعاصر وشق غبار المعاجم والمصنفات والتفاسير وكانت حججه مؤصلة وهو الذي تنهل من كتب الفقه ولأصول كلما أتيحت له الفرص.

نعم يسرت له الأقدار موضع قدم في ركب الحركة الإسلامية ليتماهى مع أطروحاتها ومناهجها.. عندها فقط بدأ يتغير فيه كل شيء: الذات والصفات والآمال والأحلام.

ذلك أن هموم الدنيا وجاذبيتها المتوهجة تحولت فيه إلى شعلة نورانية لا يخمد لهيبها.. حب الله والدعوة إلى منهاجه ثقافة وسلوكا ورفع راية التقوى عالية خفاقة في اتجاه التجديد والإصلاح ومحاربة كل أشكال التفسخ والاستهتار بالقيم  واستشراء  الفساد الإداري والمجتمعي والتفـصّي من كل القيم النبيلة. كان منهجه واضحا ودقيقا ينحو صوب النزول بمشروع الإصلاح إلى عمق المجتمع بمدنه وقراه، ومراجعة ما تنطوي عليه حياة التونسي من تفاصيل دقيقة تضم الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية والعقائدية.. وجعل من أولوياته ممارسة النزول صوب كل شرائح المجتمع داعيا إلى تشييد صروح صلبة تحول دون المحسوبية والفساد واستغلال النفوذ والجور على مختلف ألوانه وأقنعته..

وفي غمرة هذا التيار الأصولي الذي صار بعد ذلك من أكبر رموزه ومؤسسيه (1978 1981 ) بدأت المساجد تعُـج شيئا فشيئا بروادها واستعادت تونس رموز العلم والتدريس ونبتت في أرجائها بذور الدعوة والإصلاح وتفتقت وأينعت في ربيع المؤسسات العامة والخاصة، وبدأت أمواج “الصحوة” تتسع تباعا لتشمل أرجاء البلاد بلا استئذان، ولقي صوت الإسلام صداه في كل مربع من تراب البلاد واتسعت ذبذباته على نسق الحياة اليومي ليساهم بفعالية في الاختيارات الوطنية على مستوى كل الاختصاصات والقطاعات القريبة منها والبعيدة على السواء.. ذبذبات أثرت المزارع ونشطت المصانع واتشح بها البيت الشعري والنص النثري والركح المسرحي والشريط السينمائي والوتر الغنائي..

 

*********

غير أن الراهن السياسي المتسم بالأحادية والانغلاق مضى يترصد المنظومة الناشئة مستقويا بموازين القوى التي كانت تسانده، ويظل متوجسا من هذا الجسد الفتي الناشئ.. مصالح أخرى داخلية فئوية وخارجية استعمارية، لم تكن بمعزل عما يدور.. ولها من التجارب والحنكة ما ويؤهلها للقرصنة وتغيير الوجه والاستحواذ على كل قِـبلة غير قبلتها وتدمير كل مبادرة إصلاح مخالفة لأهوائها.. وما انفكت تتحين أنسب فرصة للانقضاض..

 

بقلم: صالح نوير

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *