في تقرير صادم للمعهد التونسي للقدرة التنافسية هذا هو داء الاقتصاد التونسي .. فأين الدواء؟

 

تقرير صادم جدا عن وضع الاقتصاد التونسي قدمه المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية إثر عملية مسح أجراها مع 1200 مؤسسة خاصة عاملة في قطاعي الصناعة والخدمات تخصّ مناخ الأعمال بتونس.

اعتمد تقرير تقييم مناخ الأعمال على آراء أصحاب المؤسسات والبيئة القانونية والمؤسساتية التي ينشطون فيها، والتي تتعلق بمجالات البنية التحتية والإطار الاقتصادي والتشريعي والتمويل البنكي والجباية والأعباء الاجتماعية والوضع الأمني والموارد البشرية والإجراءات الإدارية والنظام القضائى والممارسات في السوق والفساد والوضع السياسي .. وقد كانت نتائج ذلك المسح تؤكد صعوبة الوضع من خلال قلق أصحابها المتجلي في ردودهم عن الاستجوابات المقدمة إليهم في المسح.

نتائج صادمة

ما كشف عنه ذلك المسح من نتائج يؤكد حقيقة مخيفة عن واقع الاقتصاد وآفاقه خلال الفترة القريبة، إذ أبرزت نتائجه أن 3 بالمئة من المؤسسات اضطرت إلى إيقاف نشاطها خلال السداسي الأول من سنة 2015 بسبب الإضرابات وصرحت 27 بالمئة من المؤسسات المستجوبة بأنها تعتبر الأعباء الاجتماعية عائقا أمام تطورها، كما اعتبرت 31 بالمئة من المؤسسات أن السوق الموازية تمثل عائقا يحول دون تطور نشاطها، فيما وجهت 27 بالمئة منها أصابع الاتهام إلى النظام الجبائي ..

النقد طال البنية التحتية لقطاع النقل؛ فقد اعتبرت من أبرز عوائق تطور المؤسسة، خاصة في الجهات الداخلية؛ إذ صرحت بذلك 29 بالمئة من المؤسسات، فترتفع هذه النسبة إلى 53,9 بالمئة في الوسط الغربي و46,8 بالمئة في الجنوب الغربي، أما في الجنوب الشرقي، فتراجعت إلى 12 بالمئة. وعن أهم معضلة تعاني منها تونس سببت توترات خطيرة وهي التشغيل، فقد أبرز المسح أن 16 بالمئة فقط من المؤسسات تنوي فتح باب الانتداب خلال هذه السنة مقابل 15 بالمئة صرحوا بأنهم سينتدبون أصحاب شهادات عليا. كما صرحت جلّ المؤسسات المستجوبة بأنها لا تنوي التوجه إلى الجهات ذات الأولوية، مظهرة ترددا على مستوى آفاق التشغيل والاستثمار، كما بدأ المستثمرون أكثر تشاؤما من تطور نشاطهم بالنسبة للفترة القادمة؛ فقد أكد أغلبيتهم أنهم لا يأملون تحسنا في الأوضاع، وردوا ذلك إلى تدهور الوضع الأمني والفساد وصعوبة التمويل البنكى، معتبرين أن عدم الاستقرار السياسى يمثل عائقا دون تطور نشاطهم، وخلق حالة من الضبابية وعدم وضوح الرؤية، وهو ما جعلهم يحجمون عن الاستثمار خلال سنة 2015 . الأخطر من ذلك أن29  بالمئة من المستجوبين صرحوا بأنهم اضطروا إلى دفع الرشوة خلال معاملاتهم مع مختلف المتداخلين العموميين.

قرع أجراس الخطر

نتائج هذا المسح هي من الأهمية بمكان؛ لقيمة الجهة التي قامت به، وهي المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية (معهد الاقتصاد الكمي سابقا)، وهو مركز للدراسات الاقتصادية والاجتماعية والقدرة التنافسية، وهو مؤسسة عمومية ذات صبغة غير إدارية، تخضع لإشراف وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، وآراؤها تتسم بالحيادية، كما أن دراساته موضوعية، وتمثل أفضل داعم للحكومة وللوزارة التي ينتمي إليها في تحديد مختلف السياسات والاستراتيجيات لتسريع نسق التنمية والاستثمار. كما أن المعهد ينشط في صميم المشهد الاقتصادي التونسي، ومهمته الأساسية هي القيام بالدراسات الاقتصادية لفائدة المؤسسات العمومية والخاصة عن القدرة التنافسية واقتصاد المعرفة والإنتاجية  والتنمية الجهوية وتمويل الاقتصاد، والتكامل الاقتصادي، والتجارة الخارجية، والضرائب… وغيرها من المسائل المتعلقة بالاقتصاد، وهو بالتالي ليس مؤسسة ربحية يمكن توظيفها سياسيا كما تم توظيف عديد الاستشارات وعمليات المسح أو سبر الآراء.

خطة عمل جاهزة

نتائج ذلك المسح يمكن اعتمادها من طرف الحكومة وسائر الفاعلين في المشهد الاقتصادي من منظمة أعراف أو كونكت أو غيرها من الهياكل لوضع خطة عمل لانتشال الاقتصاد من مأزقه؛ لأن المؤسسات المستجوبة وضعت أيديها على الداء وحددت مكامن الخلل. وتتلخص تلك المشاكل في التوتر الاجتماعي خاصة من خلال كثرة الإضرابات والتوتر السياسي الذي سببته التجاذبات والصراعات الايديولوجية التي لم تراع في الوطن إلّا ولا ذمة، والتدهور الأمني بسبب التحركات الاحتجاجية التي تخرج عن نطاق السيطرة، وما أكثرها، والإرهاب الذي يستغل كل تلك العلل آنفة الذكر ليتسرب منها ويوجه ضرباته الغادرة ..

إن نتائج ذلك المسح تؤكد أن تونس تحتاج إلى عقد اجتماعي يكون ملزما لكل الأطراف للسير نحو التهدئة، وقبل ذلك حث كل تلك الأطراف للتحادث مع منظوريها لشرح صعوبة الوضع وأن المخرج منه لن يكون بالإضرابات ولا بالاحتجاجات؛ لأنها ـ على مشروعيتها ـ ستساهم في تعقيد الأمور.

أوراق عمل للحوار الاقتصادي

كما يمكن أن تمثل نتائج ذلك المسح أوراق عمل مهمة يجب الاشتغال عليها في المؤتمر الاقتصادي المزمع عقده في بلادنا، والذي نتمنى أن لا يتأخر موعده كثيرا؛ فالنتائج أثبتت أن الفساد قد استشرى في دواليب الدولة، والرشوة صارت متفشية، وهو ما يعطل عديد المشاريع.

كما أن تلك الآفة لا تحفّز على الاستثمار؛ لأنها عبء آخر يضاف إلى أصحاب المشاريع، إضافة إلى سائر الأعباء الاجتماعية، ولأن رأس المال “جبان” بطبعه، فإن مثل تلك الممارسات تنفر من العمل؛ لأن من دفع مرة لا يضمن أن لا يدفع مرارا وتكرارا .. كما أشار المسح إلى الغموض في القوانين الجبائية وتسلطها دون مراعاة لواقع المؤسسات وظروفها، وهو ما يحتم المسارعة بإصلاحات جبائية وإدارية تخفف من سلبيات القوانين وتكلسها.

لقد وضع المسح أصبعه على الداء حين لخصه في الضبابية وغياب الرؤية، وهذان الأمران ينفران المستثمرين من محليين وأجانب، ومن الضروري وضع تلك النتائج نصب الأعين لمعالجة الخلل حتى لا تتفاقم الأزمة وتغرق “السفينة” بالجميع لا قدر الله.

ياسين الصيد

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *