نورة البرصالي في شهادة تاريخية: كنت ألجأ إلى اللعب بالكلمات..كي أعبّر عمّا بنفسي

كنت مفتونة بالكتابة الصحفية دائما. كنت أهوى البحث عن الخبر حيثما يوجد وحيثما يختبئ في انتظار مجيء شخص للكشف عنه. كانت أوّل تجربة لي في الصحافة بجريدة “لوفار” الأسبوعية خلال صيف 1980، خلال حكم بورقيبة الطويل. وقد شهدت هذه الفترة اتباع سياسة تفتح سياسي بشكل ما وبروز بضع صحف مستقلة مثل “الرأي” و”ديمكراسي” وصحف معارضة أخرى و”المغرب العربي” و”حقائق”.

وكانت تجربة “لوفار” التي أشرف عليها الفقيد عبد الجليل الباهي ثريّة بفضل الصراحة التي كنا نمتلكها والمناخ الذي كان سائدا في الجريدة والروح الجماعية التي كانت سائدة وإيماننا بالدفاع عن صحافة مستقلة وحرّة. وقد اتخذت السلطة القضائية ضدّنا، بالطبع، عدة إجراءات تعطيل عن الصدور بسبب مقالات وصفت بأنها تنال من النظام العام. وكنا نمضي، آنذاك، الأسابيع والشهور في انتظار نهاية المحنة كي نستأنف عملنا في انتظار تعطيل صحيفتنا مجدّدا. فقد كانت حرية التعبير تثير مشاكل بكل بساطة.

ولكنّ اللّعبة كانت واضحة: لقد كانت التهم واضحة والأحكام كذلك. وبعد تعطيل “لوفار” التحقتُ بـ”حقائق” حيث تابعتُ أحداث الخبز في جانفي 1984 بمدينة قفصة، وخصّصت ركنا لعملية تعذيب تعرّضت لها تلميذة بالتعليم الثانوي وأثارت سخطي. نجحت في تقديم صورة عن الأعمال الدنيئة للجلادين وآثارها على جسد رقيق وناعم. ولم تمنع الرقابة المقال على الرغم من التجاوزات القمعية التي كانت ترتكبها السلطة القائمة. بعد خلع بورقيبة بدأ “عهد جديد”. وقد قدّم إعلان 7 نوفمبر العديد من الوعود حول مَقرَطة البلاد.

وعشنا فترة هدنة قاربت الثلاث سنوات كانت خلالها مجلة “المغرب العربي” الأسبوعية، بإدارة عمر صحابو، فضاء للحرية التقت فيه جلّ التيارات السياسية. ولكننا بدأنا نشهد مضايقات كان يتعرض لها المدير كلّما صدر بالمجلة ما لا ترضى عنه السلطة. كان مراقبو الأداءات أو المطالب البنكية بخلاص ديون تظهر فجأة. وكان العدول المنفّذون يتوافدون على المجلة بإنذاراتهم وتهديداتهم بإجراء عُقلة على المؤسسة.

وكانت السلطة السياسية تسعى عبر كل وسائل الضغط هذه إلى خنق هذه المجلة الأسبوعية ماليا على هذا النحو المؤذي ودون الكشف عن السبب الحقيقي الكامن وراء هذه الدسائس وباستعمال القضاء، كما كان الحال في عهد بورقيبة. وكانت السلطة تسعى إلى تقديم القضية للآخرين على أنها ليست قضية حرية صحافة على الإطلاق بل مسألة مالية أو ضريبية “خارجة عن إرادتها”. بدأنا نكتشف حينها الأساليب الجديدة لقمع الكلمة الحرة التي تزعج.

وبالتزامن مع أزمة الخليج والأحداث في الجزائر، انغلقت السلطة على نفسها وحرّكت أجهزتها القمعية. مُنعت مجلة “المغرب العربي” من الصدور، واعتُقل مديرها وصدر ضده حكم بالسجن لعدة أشهر. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعامل فيها مدير صحيفة بهذه الطريقة. وتجند فريق “المغرب العربي” المتضامن ولكن دون جدوى. وبذلك انتهت واحدة من أفضل تجارب الصحافة المستقلة التي عرفتها تونس. ولكنني لم أيأس، وقررت يوم 8 مارس 1991 تقديم طلب للحصول على ترخيص لإصدار جريدة تحت عنوان “المغاربية” بدافع الوفاء لمجلة “المغرب العربي”، وأيضا لكل تلك الحركية السياسية والاجتماعية التي شهدتها بلداننا المغاربية، وبالخصوص الجزائر في أواخر الثمانينات التي تابعت الأحداث التي شهدتها في صحيفة “المغرب العربي” (1989-1991)، ونشرتها بعد ذلك بفترة طويلة في كتاب بعنوان “الجزائر والديمقراطية المستعصية”.

لم أستلم، أبدا، وصل الإعلام، ووجدت نفسي غير قادرة، إذن، على إصدار جريدتي. وكانت خسارة 23 سنة على الرغم من الاحتجاجات التي كنت أعبر عنها في كل يوم 8 مارس، يوم عيد المرأة العالمي، والذي يصادف أيضا التاريخ الذي قدمت فيه طلبي، وكذلك موعد صدور التقارير التي ترصد انتهاكات حرية الصحافة، والتي تذكر جريدتي من ضمن جرائد أخرى ممنوعة من الصدور. وفي ما عدا التحقيق الصحفي الذي نشرته عن الجزائر سنة 1993 في مجلة “حقائق”، التزمت الصمت الذي أردته أن يكون في حجم انعدام فضاء للحرية. أخذ الطابع البوليسي للنظام يشتدّ، يوما بعد يوم، إلى حدّ قمع المعارضة بشراسة ومنع كل كلمة حرة. وغرقت البلاد في دكتاتورية تدعو إلى الاكتئاب.

وفي سنة 2000، التَحقْتُ بمجلة “حقائق” الأسبوعية. كانت الأجواء فيها مختلفة جدا عن مجلّة “المغرب العربي” التي كنت معتادة عليها. هنا، كانت الخطوط الحمراء واضحة ولا مجال لتجاوزها حتى ولو تطلب الأمر التضحية بالخط التحريري، وأيضا بالصحفيين مثل الهادي يحمد الذي أجبر على ترك الصحيفة. وكان يقال أن عائلات بأكملها تعيش بفضل هذه الصحيفة الأسبوعية وأنه لا مجال للمجازفة. والتحق بالصحيفة مدير سابق للشؤون السياسية بوزارة الداخلية، ليكتب مقالات تحت اسم مستعار. في إطار هذه الحدود المفروضة التي استُبْطنتْ، مع الأسف، ماذا يمكن أن نكتب؟ كان لا بدّ من اللعب على الكلمات ودفع القراء إلى القراءة بين السطور.

في ركني الاسبوعي « Nota Bene » كنت أعمد إلى اللعب على الكلمات عند التطرق إلى مواضيع تُغضب السلطة. وكنت أتحدث عن بلدان أخرى قريبة منا لإدانة القمع وتزوير الانتخابات وانتهاك حقوق الإنسان واستغلال السلطة الخ… وكان قرائي الفطنون قادرين على اكتشاف رسالتي المختبئة بين السطور. لكأنّ اتفاقا ضمنيا أبرم بيننا ولكن دون علم منا.

قد يُقال أليس هذا ضربا من الرقابة الذاتية؟ ربما يكون ذلك صحيحا. ولكن بين الرقابة الصريحة التي كان يمكن أن تمنع نشر مقالي وهذه الرقابة الذاتية، عملية الغش الأسبوعية الصغيرة هذه، كان خياري واضحا. أما بالنسبة لبقية مقالاتي وملفاتي، فقد كنت أعمد في شأنها إلى اختبار مسؤول التحرير وأتبين بناء على رد فعله الخطوط الحمراء حارسة “معبد” حقائق، هذا الحريص على استمراريته أكثر من حرصه على حرية الصحافة في سياق أصبحت فيه العقوبات تمتزج أكثر فأكثر بالممارسات المافياوية.

وكانت القضايا المفبركة تطيح بأعداد متزايدة من الناس. ولكي أستمر في الكتابة، استثمرت شغفي بالتاريخ في إعداد ملفات حول بورقيبة والديمقراطية (نشرتها لاحقا في كتاب سنة 2008)، وحوارات مع أحمد بن صالح حظيت باهتمام من القراء، وحول مجلة الأحوال الشخصية، وحول العدوان الإسرائيلي على “حمام الشط” وحول التونسيين والاستقلال الخ… ويجب التذكير بأن بحوثي كانت تندرج ضمن حركة مؤرخين كانوا يسعون لاستعادة جزء من تاريخنا، هي أساسا كل القرن العشرين، وعهد بورقيبة بالخصوص، إذ إن هذه الفترة التاريخية التي كانت هدفا للتزوير في حاجة إلى مراجعة.

لقد تركز اهتمامي، في الواقع، على الحقيقة التاريخية بجعل الشهود الذين ما زالوا على قيد الحياة يتكلمون، وبالجمع بين البحث التاريخي والكتابة الصحفية. وتعلمت الكثير، عبر هذا العمل الصحفي الجديد، عن تاريخ بلدي بإلقاء بعض الضوء على عصرنا الحاضر وخاصة على طبيعة النظام السياسي الذي أقيم بعد الاستقلال، والذي افتقر إلى الديمقراطية التي تشكل حرية الصحافة إحدى ركائزها.

هل كان التنقيب في التاريخ، بالنسبة لي مهربا من زمن راهن صعب؟ لا شك في ذلك. إنّي أعترف. على امتداد هذه الفترة، تعالت العديد من الاصوات المطالبة بحرية الصحافة، ونُشرت تقارير وطنية ودولية مما أثار استياء السلطة، ونظمت إضرابات عن الطعام لهذا الغرض ولكن الرد كان: القمع وأحكام بالسجن. في حين كانت صحف في خدمة النظام تشن حملات افتراء ضد المدافعين عن حقوق الإنسان وكانت شرطة مفتحة العيون تحاصر ناشطي المنظمات والصحافيين المتحمسين وتتعقبهم وتتحرش بهم في وضح النهار وأمام المارة في الشوارع. كان ذلك هو المشهد الذي عشناه حتى سقوط النظام نهائيا يوم 14 جانفي 2011.

 

إن نتائج هذه السياسة القمعية للصحافة واضحة للعيان اليوم، فالصحافة لم ترتق إلى مستوى هذه الثورة، على الرغم من مناخ الحرية، بسبب ضعف الخبرة في معالجة الخبر السياسي، وافتقارها إلى الكفاءة المهنية وعدم الحياد والموضوعية، وهو ما يكتسي أهمّية بالغة، بالنسبة للصحافة الحرة والمستقلة. إن حالة صحافة ما بعد الثورة هذه تثير الانشغال بالخصوص نظرا لأن الصحافيين لم يتمرسوا على معالجة الحدث السياسي بتعقيدات تحدياته والفاعلين فيه. هذا بالإضافة إلى أن الصحافة التي كانت في خدمة السلطة تجددت وتأقلّمت مع كل التغييرات التي حدثت في بلدنا، بلا مراجعة ولا نقد ذاتي. ولكن المشهد الإعلامي، لحسن الحظ، قد تعزز بعناوين جديدة وواعدة.

ومع ذلك، فإنّ المعركة من أجل الحرية الحقيقية للصحافة لم تُحسم نهائيا. والدليل على ذلك: أنّ مجلة الصحافة والنشر والطباعة الذي صادقت عليها يوم الخميس 22 سبتمبر 2011 الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، تبدو لي وكأنها مجلة جنائية في المجال الصحفي بسبب تكرر ورود كلمة “يُعاقب” في النص على حساب عبارة “حرية التعبير” الجميلة التي لم ترد سوى ثلاث مرات في المجلة. لقد كنا ننتظر أن نرى مجلة صحافة تلحّ بشدّة على أهمّية حرية الفكر والتعبير والكلمة في سياق التحول الديمقراطي والمشروع الديمقراطي المطلوب بناؤه. ولكن ها إنّ الفصل الأوّل الذي أشير فيه إلى هذا المبدإ يضع حدودا وقيودا على هذه الحرية باسم “حماية النظام الوطني أو الأمن العام”. لا يزال أمامنا الكثير مما ينبغي إنجازه حاليا، ولا تزال معركة حرية الصحافة في انتظار الحسم… المصدر :صحفيون في مواجهة الديكتاتورية(كتاب جماعي) نشر مركز تونس لحرية الصحافة

 

Share Button

أكتب تعليق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *