ليبيا: علاقات الديبلوماسيين الأجانب مع المسؤولين المحليين بين التنامي والانتقاد الشعبي

مع تطور الأحداث في ليبيا وتسارعها لاحظ المتابعون خلال الأيام الماضية كثافة تحركات الديبلوماسيين الأجانب في ليبيا وتعدد لقاءاتهم مع المسؤولين المحليين، وهي تحركات لها خلفياتها وأسبابها نتاج بدايات اقلاع اغلب الدول الغربية عن السلبية في التعاطي مع الملف الليبي لأسباب بعضها استراتيجي، باعتبار ليبيا مدخلا للعمق الافريقي ولطبيعة الرهانات الاقتصادية المبنية على ثروات غدامس الهائلة اضافة الى أسباب تكتيكية بقرب الحل السياسي ورهانات الانتخابات البلدية بنسخها الثلاث أي البلدية (تخص أكثر من 75 بلدية) والتشريعية والرئاسية، فماهي خلفيات تنامي تحركات الديبلوماسيين الأجانب وماهي أسباب امتعاض مكونات المجتمع المدني الليبي وردود الفعل الشعبية والسياسية؟
وعمليا اثارت تنقلات السُفراء والدبلوماسيين الأجانب ولقاءاتهم بمسؤولين محليين خلال الأيام الماضية ردود فعل منظمات المجتمع المدني وخاصة الحقوقيين منهم بل واستياء قطاعات واسعة من الشعب الليبي حيث تم اعتبار هذه التحركات انتهاكا للسيادة الليبية وخرقا للقوانين والأعراف وخاصة الدبلوماسية منها، فعلى سبيل المثال انتقدت “المنظمة الليبية لحقوق الإنسان”، اللقاء الذي جمع نائبة السفير الأميركي في ليبيا “ناتالي بيكر” مع عميد بلدية سبها حامد الخيالي، وقالت المنظمة عبر مواقعها على الشبكات الاجتماعية أن “الشأن السياسي ليس من اختصاص المجالس البلدية…..”، بل أن المنظمة الحقوقية الليبية طالبت في بيان أصدرته أمس الخميس 12 افريل 2018، رؤساء الحكومتين في المنطقتين الشرقية والغربية ووزراء الخارجية في الحكومتين بإصدار تعليمات صارمة بهذه التجاوزات والاختراقات التي وصفتها بــــ”الخطيرة” ونقلت وكالات الانباء أن المنظمة الحقوقية الليبية طالبت الحكومتين بضرورة التشديد على عمداء البلديات بالالتزام باختصاصاتهم الواردة في قانون الإدارة المحلية رقم 59 لسنة 2012 ولائحته التنفيذية….
وعمليا التقى عميد بلدية سبها “ناتالي بيكر” أول أمس الأربعاء 11 أفريل 2018 في تونس (لاعتبار أن كل السفراء الأجانب في ليبيا مقيمين في تونس نتاج الأوضاع في ليبيا منذ 2015)، لمناقشة آفاق الشراكة بين الولايات المتحدة والمجلس البلدي وأهالي سبها من أجل تجاوز التحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة في جنوب ليبيا….
ومعروف أن الجنوب الليبي هو محور تجاذب بين أهم الفاعلين الدوليين ومن وراءهم دولهم نتاج رؤى استراتيجية في أهميته ليبيا وإفريقيا، حيث يشهد الجنوب منذ أشهر توترا أمنيا واشتباكات متقطعة بين أطراف صراع متعددة التركيبة والهوية ومن حيث القوى الإقليمية التي تسندها وسط غموض تكتيكات دولية وإقليمية لتحقيق مرام اقتصادية ومالية مخطط لها بإحكام….
وعمليا من المعروف أن هناك اطروحات عدة مُفسرة لما يحدث في الجنوب، حيث يرى عميد بلدية سبها أن “الاشتباكات بين قُوات الجيش الليبي وجماعات من المرتزقة التشادية”، بينما تقول روايات أخرى أن طبيعة التوتر قائمة على خلفية صراع قبلي متجدد بين قبيلتي “التبو” و”أولاد سليمان”…
ومعروف أن انتقادات تحركات الديبلوماسيين الأجانب في ليبيا ليس أمرا جديدا حيث سبق للليبيين ومؤسساتهم ومنظماتهم انتقاد التحركات واللقاءات التي قام بها سفير بريطانيا الجديد في بلادهم “فرانك بيكر” والذي اضطر في وقت سابق لتوضيح تحركاته عبر بيان نُشر على الموقع الإلكتروني للسفارة حيث بين من خلاله أن “تنقلاته بين المدن الليبية لا تشكل انتهاكا للسيادة الليبية كما يرى بعض الليبيين”، بل أن الديبلوماسي البريطاني أضاف في بيانه التوضيحي أن مفهوم تلك “الأقلية” لتنقلاته في ليبيا هو مفهوم خاطئ حسب رأيه، وأضاف مؤكدا أنه يقوم بتلك الزيارات بناء على دعوات رسمية من المدن والبلدات التي يزورها، كما أن السلطات المختصة تدعم ذلك، وأن طبيعة عمل الدبلوماسيين في كل أنحاء العالم، بما فيهم دبلوماسيو ليبيا في بريطانيا…. وفي الأشهر القادمة أتمنى زيارة مصراتة والزنتان وسرت وسبها وغيرها من المدن….”
ولفت بيكر إلى أنه خلال زيارته للمدينة القديمة في طرابلس لاحظ “أنها تواجه الخطر نتيجة الإهمال، مشيرا إلى أنه شاهد الدمار الكبير الذي تعرضت له منطقة الصابري في بنغازي جراء القتال الذي شهدته المدينة، وكذلك التحديات الكبيرة التي يُواجهها الليبيون في حياتهم اليومية….”، كما شدد الشفير البريطاني في نفس البيان التوضيحي أنه قابل “قادة ليبيا”، واستمع كذلك لأساتذة ومهندسين وأطباء، والتقى بنساء ليبيات “قويات” و”موهوبات” يعملن بجد لتحسين الحياة في مناطقهن، ورجال الأعمال الشباب، الذين تمثل حيويتهم وإبداعاتهم أساسا للنمو الاقتصادي….
وهذه ليس المرة الأولى التي يُثار فيه الجدل بشأن السيادة الليبية منذ اندلاع الأزمة السياسية في منتصف 2014، حيث سبق لمجلس النواب في طبرق وفي أكثر من مناسبة اتهام إيطاليا بخرق السيادة الليبية كما انتقد المجلس أيضا في جانفي الماضي الايطاليين بسبب إعلانهم عن زيادة وجودهم العسكري في ليبيا بـــ 30 جنديا ليبلغ عددهم 400 جندي…
وفي الخلاصة، إن الديبلوماسيين الأجانب قد فشلوا مجددا ومنذ 2011 في اختراق المجتمع الليبي وأوساطه الفاعلة، وأن تنامي محاولاتهم خلال الفترة الماضية للتواصل مع مكوناته ومع المسؤولين المحليين في هذه المرحلة بالذات ينم عن تحولات في أهمية الملف الليبي ويدل على الإقلاع عن منطق تهميشه المتخذ والمعتمد منذ بداية 2016، بينما ردود الفعل هي نتاج طبيعي لمجتمع محافظ ومتوجس من أدوار البعثات الديبلوماسية والتي سهل عليها ذلك النشاط في مجتمعات عربية دون أخرى، كما أن للأمر ارتباط وثيق بالخطة البديلة للمبعث الاممي الرابع والحالي غسان سلامة والذي ينوى الاعتماد على البلديات ورؤسائها وممثليها في تحريك سواكن الملف السياسي المعقد نحو حل ترغب فيه قوى دولية عديدة والتي يظهر أنها أصبحت ترغب في التخلي عن أذرعها الإقليمية لتباشر أداورها بنفسها وعبر ديبلوماسييها نتاج تطورات في المنطقة ونتاج تقييمات سابقة لعدد من الملفات في الإقليم ….

 

 

علي عبداللطيف اللافي

Share Button

أكتب تعليق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *