ليبيا: من يريد إفشال الجولة الثانية من حوار تونس؟

بقلم علي عبد اللطيف اللافي

 

بعد أن اختار الليبيون مُجددا الذَهاب للحل السياسي من خلال الحوار الذي دارات جولته الأولى في الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية بإشراف أممي، يبقى السؤال الأهم اليوم هو: من هي عمليا الأطراف التي ستسعى لتلغيم وافشال الجولة الثانية وبالتالي إعادة الأمور إلى نقطة البداية، خاصة وأن تلك الأطراف هي عديدة في ليبيا، إضافة إلى أطراف إقليمية ودولية عديدة لا ترى في تكاتف الليبيين ووحدتهم بعين الرضا؟، وما هو مستقبل الأوضاع في ليبيا في أفق نهاية السنة الحالية؟

1- الأطراف الإقليمية والدولية   

يُمكن التأكيد أن الأطراف التي لا تُريد الوصول الى اتفاق أو بالأحرى توافق سياسي لإدارة مرحلة انتقالية قبل البدء فعليا في الانتقال الديمقراطي في ليبيا أنها عديدة ومتعددة، وتلك الأطراف هي:

أ- أطراف دولية:رغم أن القوى الدولية حسمت أمرها عمليا، في اتجاه إنجاح الحوار الليبي والذهاب في تحيين حوالي ست من بُنود اتفاق الصخيرات وإدارة مرحلة انتقالية نهائية لمدة سنة واحدة، إلا أن عوامل وتطورات لاحقة قد تجعلها تتراخى في الدعم أو في الانجرار وراء قوى إقليمية تسعى لإرباك الحوار الليبي في حد أدنى وهو أمر وارد بناء على تجارب سابقة خلال العقود الماضية، ومعلوم أن مجلس الأمن الدولي قد اصدر أول أمس الثلاثاء 10 أكتوبر بياناً أيَّد فيه خطة المبعوث الأممي غسان سلامة و خارطة الطريق لحل الأزمة الليبية.

 بأطراف إقليمية: عديدة هي الأطراف الإقليمية التي تسعى لإفشال الحوار الليبي لأسباب مختلفة ولكنها عديدة، وبغض النظر عن المواقف الدبلوماسية المعلنة فان تلك الأطراف الإقليمية هي:

+ النظام المصري: وهو نظام لن يكون مُرتاحا للمضي قدما في الحل السياسي رغم تطور مواقفه مقارنة بمواقفه المعلنة وغير المعلنة اثر امضاء اتفاق الصخيرات في أوت 2015  حيث ساند خصوم السراج بكل ما أوتي من جهد، والنظام المصري سيبقى حبيس سؤال هل ستحتاج الحكومة الليبية الجديدة لدعمه اللوجستي وهل سيستأثر بعطايا برامجها وخاصة الاقتصادية منها والقبول بوضع انتقالي ليبي لمدة سنة يكون فيها حليفهم حفتر شريكا وليس الآمر الناهي، فان المصريين لن يكونون مرتتاحين للوضع الجديد بعيدا عن رؤيتهم القديمة، وسيبقى السيسي حبيسا لعقلية استئصال خصوم حلفائه الإقليميين على غرار تيار الاخوان المسلمين حتى خارج مصر…

+ الإماراتيون: وهم ثاني الأطراف التي لن تكون مرتاحة بالذهاب بعيدا في الحل السياسي من جديد، فإنهم لن يكونوا مرتاحين لنجاح الحوار الليبي وتشكيل حكومة يتواجد فيها إسلاميو ليبيا ولن تكون رؤيتهم للتعامل معها بعيدة عن رؤيتهم لحكومات تونس ما بعد الثورة بسبب وجود حركة النهضة ….

+ القطريون والأتراك: ربط “الأتراك بالقطريين”، موضوعي لتحالفهم السياسي والاقتصادي والذي بلغ درجة من التحالف الاستراتيجي حسب رأي المتابعين،

وهذا التحالف المُعلن ليس طرفا محايدا في ليبيا رغم أنه تحالف لا يترك البصمات السياسية في الموضع الليبي تحديدا على عكس قُوى إقليمية أخرى في ليبيا، فالتحالف “التركي-القطري” يتحرك بهدوء ويسند واقعيا حكومة السراج رغم أن أنصار حكومة طبرق يعاملون بمثل معاملة خصومهم في المدن التركية المختلفة بل أن عددهم في أنقرة وإسطنبول أكثر بكثير من مناوئيهم…

ثانيا من المهم التأكيد أن السياستين التركية والقطرية تساند الحوار الليبي الجديد وإدارة ما تبقى من المرحلة الانتقالية، ولن تعمل على إفشاله فيما هو بين إعلاميا وسياسيا على أنهما تدعمان الأطراف الإسلامية الأقرب للتيار الإخواني وهذا ليس سرا بل هو مصرح به وهو أمر جلي وواضح لكل المتابعين ….

  • أطراف إقليمية أخرى:

من الخطأ الاعتقاد أن الإيرانيين والاردنيين والسعوديين وهم أمثلة للذكر لا الحصر، ليسوا طرفا في الملف الليبي وهم أطراف إقليمية معنية موضوعيا بحاضر ومستقبل ليبيا وتتناقض مواقفهم بشأن دعم الحوار الحالي أو العمل على اعاقته لسبب من الأسباب، أما الجزائريون وإن كانوا طرفا مهما وفاعلا لا يمكن تغييبه، باعتبارهم الجار التقليدي لليبيا فانهم يرغبون في استقرارها وعدم السماح للغير بمس العملية السياسية فيها لأسباب عدة منها ما هو تقليدي ومبدئي في تقاليد الدبلوماسية الجزائرية وفيما هو مرحلي في قراءة مطامح القوى الدولية في القارة السمراء وبعضها ناتج من حضور اطراف إقليمية في ليبيا وما يعنيه ذلك استراتيجيا

2- المنظومة الليبية القديمة وأنصار القذافي

أولا، يُمكن الجزم أن أنصار القذافي في ليبيا حاليا ليسوا وحدة متكاملة من حيث الرُؤى والتوجه  والولاء أو من خلال رُؤيتهم لمستقبل ليبيا فبعضهم انقلابين يسعون لتكوين ما يُسميه البعض منهم في جلساتهم أو في تدويناته الخاصة على الشبكة الاجتماعية بــ”المجلس العسكري”، بل هم يحلمون بتوظيف أن الغرب قد يبحث عن قذافي جديد وبعضهم يطمح أن يلعب حفتر ذلك مرحليا رغم ان بعضهم يكرهه كُرها شديدا، وطبعا سيكُون الانقلاب على مسار الحوار وميدانيا على حكومة التوافق وتصفية خصومهم في كُل ليبيا حتى لو تطلب ذلك بحرا من الدماء أو حرب أهلية، كما لهُم خطط بديلة في حالتي نجاح أو فشل التوصل إلى اتفاق سياسي محين طبعا لاتفاق الصخيرات، وبعض أنصار القذافي يرون في قراءتهم للوضع الحالي أنه يُمكن عودة نظام القذافي بكامله والبعض الآخر يعتبر أن تنفيذ وصية العقيد في أن يقع ترتيب الأمور لصالح سيف الإسلام القذافي وهو ما قد يُفسر تأسيس أنصاره لحزب “الجبهة الشعبية الليبية” بعيدا عن حزبين آخرين قريبين من أنصار القذافي أحدهما يتزعمه أحمد قذاف الدم والثاني تقوده قيادات سابقة للجان الثورية على غرار الطيب الصافي…

وفي هذه النقطة بالذات ينقسم أنصار القذافي إلى طرفين الأول يرى في “سيف” مُنقذا للبلاد والطرف الثاني يرى في ذلك تكتيكا أوليا في طريق عودة نظام القذافي باعتبار أن الغرب في تحليلهم طبعا ليس أي إشكال مع سيف الإسلام بل هو ورقة غربية قديمة، أم الطرف الثالث من أنصار القذافي فهو يرى في نجاح الحوار سبيلا أن تسترد بعض قبائل محسوبة عليهم حقها وانه لا يجب معاملتها بناء على قربها السابق من الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، وهؤلاء يرون أن المصالحة الحقيقة هي في بناء جديد يدفن آلام الماضي

و الخلاصة أن أنصار القذافي مُشتتون ومُختلفون وقوتهم بشرية ومادية لوجستية ولكنها متمركزة أساسا في القوت الراهن في دول جوار ليبيا وأنه لا أمل لأنصار القذافي في إفشال الحوار الليبي الجديد رغم هامش قوة مقتدر ولكنه نسبي على إرباك الحكومة الليبية الجديدة، و الأكيد أيضا أن قطاعات واسعة من أنصار القذافي مؤمنة حاليا بما قاله رجل المخابرات القوي في عهد القذافي عبدالله السنوسي، لقبيلة “المقارحة” في سجنه بعد القبض على محمد بن نايل سنة 2015 “عهد القذافي انتهى وولى ولن يعود وعليكم القبول بذلك والمشاركة في المسارات الجديدة …”

3- بعض مٌكونات أطراف الصراع

إن كل من طرفي الصراع ليس وحدة متكاملة كما يعتقد البعض ولكن كُل منها يضم مكونات لا ترى في الحوار الليبي تحقيقا لأهدافها:

أ- مكونات الحكومة المؤقتة في الشرق الليبي

وهي تشمل حوالي خمس مكونات بعضها ظاهر كـــ”الفيدراليين” و”مجموعة الكرامة” بقيادة  الجنرال العجوز وأنصار هذه الحكومة في الجهة الغربية (وهم أيضا ليسوا وحدة متكاملة)، وأطراف لا تُرى  ولا تظهر في الصورة، ومنهم أطراف من قبيلتي البراعصة والعبيدات والعواقير، ومنهم مكونات سياسية ليبرالية وطبعا قيادات نظام القذافي التي لم تكن معلومة في عهده من عسكريين ورجالات الأمن الخارجي والداخلي، إضافة إلى أنصاره في القبائل وفي الإدارة ومؤسسات الدولة على علاتها البنيوية، وطبعا بعض هذه المكونات تختلف في رؤيتها للصراع مع اسلاميي ليبيا وإيمانها بأهمية الحوار وحسمها في الحسم العسكري مستحيل واقعيا وميدانيا وأنه لا سبيل إلا بتشكيل حكومة لكل الليبيين….

  بمُكونات حكومة التوافق بقيادة السراج :

وهي مُكونات كانت موضوعيا في حكومتي الإنقاذ وطبرق واختارت حكومة التوافق بعد امضاء اتفاق الصخيرات في صائفة 2015، ولكنها عمليا ليست وحدة متكاملة بهل هي أطراف لها قراءات من زويا مختلفة للعلاقة مع حكومتي الإنقاذ وطبرق وخاصة مع الجنرال حفتر وبعض الوزراء والفاعلين القريبين مع السراج غير مرتاحين لتعديل الاتفاق السياسي ولكنهم مرنين في قبول المقترحات ويرغبون أكثر من غيرهم في انهاء حالة التشتت ومع تقديم تنازلات من كلا الطرفين وبضرورة عدم أي ترك أي طرف خارج جبة الاتفاق الجديد من اجل القدرة على انهاء المرحلة الانتقالية والنسج على المنوال التونسي حتى لا تسقط الثورة الليبية في مطبات النماذج العربية الأخرى ….

4- الجهاديون والتنظيمات الإرهابية

فسيفساء التيارات الجهادية في ليبيا معقدة ومتشابكة ومتطورة ومتحولة واغلب مكوناتها ترى في الوصول الى حل سياسي مع مكونات حكومة طبرق تشكيل حكومة جديدة تباشر عملها من طرابلس ضربا لأجنداتها السياسية والميدانية:

 أ- رغم أن “داعش” في ليبيا ليس طرفا واحدا أو وحدة متكاملة تنظيميا بل هي فسيفساء تختلف من حيث الجهة المُمولة والداعمة لوجستيا ومن حيث الامتداد الجغرافي3 ]، فــ”داعش سرت” وان كان لم يعد له وجود يذكر، فإنه كان  خليطا بين داعشيين تونسيين ومصريين  يسود غموض حول الجهات الداعمة لهم وبين بقايا مرتزقة القذافي وأنصاره في الجنوب الليبي، بينما داعش في صبراطة هي تنظيم مُركب ومدعوم لوجستيا من طرف عدد من القوى الإقليمية وبعض أجهزة المخابرات الأجنبية والمنظومات القديمة لعدد من الأنظمة العربية التي أسقطتها ثورات الربيع العربي، و هو تواصل موضوعي لتنظيم تونسي كان يٌدعى “شباب التوحيد“، أما “داعش درنة”، فهي مجموعات ليبية كانت تنتمي لشبكات  تنظيم القاعدة  وتبنت فكر داعش وبايعتها منذ ظهور البغدادي …

ب- أغلب التنظيمات الإرهابية في ليبيا لا تتحكم في مصيرها وأجنداتها لأنها عمليا مُجرد أداة توظيفية وأنها مخترقة في مؤسساتها القيادية ويمكن أن يقع توجيهها لاحقا لعدد من الأهداف سواء لإفشال الحوار والتوافقات أو لإرباك أي حكومة قادمة أو لخدمة أجندات وأهداف خارج ليبيا يُرتب لها مستقبلا من طرق قوى إقليمية ودولية …

 ت- بعض التنظيمات الجهادية الليبية من غير المجموعات الموالية لداعش أو للقاعدة لن تكون بالضرورة ضد تكوين حكومة ليبية جديدة بناء على تعديل اتفاق الصخيرات بدون أن تساندها سياسيا بالنسبة للبعض (القراءة هنا هي قراءة شرعية وفكرية)، في حين سيكون لبلحاج وحزبه أنصاره دور مستقبلي في ليبيا نتاج تطور فكرهم السياسي وعلاقاتهم الخارجية المتطورة مع أغلب القوى الإقليمية والدولية …

5- أي مستقبل للوضع في ليبيا في أفق نهاية سنة 2017؟

بغض النظر عن التجاذبات وصعوبة المهمة والبعثة الأممية ، يضاف الى ذلك تعقد تفاصيل المشهد الليبي ومفرداته العديدة والمتعددة في أفق نهاية السنة الحالية، فانه يمكن التأكيد على أن نجاح الحوار الليبي أمر محسوم بينما تشكيل الحكومة الليبية المرتقبة سيعرف صعوبات عدة ومزالق عديدة وتحديات كبرى وعوائق لا تحصى ستسعى أطراف عدة إقليمية و ربما دولية إضافة إلى أطراف في الداخل الليبي، إلى العمل على توسيعها وتضخيمها، حيث أن تلك الأطراف ستلعب كل ما بقي لها من أوراق لإفساد المشهد الجديد وخلط الأوراق و إعادة الأمور للنقطة الصفر….

ولكن من الأكيد أيضا أن تطورات المشهد الإقليمي وطبيعة الموقع الجغرا – سياسي لليبيا وقربها ومن السواحل الأوربية وطبيعة التحديات الاقتصادية في دول الجوار الليبي ستدفع الجميع خلال اشغال الجولة الثانية نحو الدفع لإنجاح تشكيل حكومة التوافق الليبية المنتظرة بل ومساعدتها في تنفيذ برامجها وإجراء انتخابات تغلق باب الصراعات الميدانية والعسكرية…

وسيعقب تشكيل الحكومة التي سيعلن عنها في قادم الأيام، تحديات جسيمة على مستوى الترتيبات الأمنية و بناء و قيادة المؤسسات السياسية والعسكرية وترتيبات الحدود مع الدول المجاورة والعمل على إنهاء الصراع الممتد أكثر من ثلاث سنوات  بين التبو والطوارق…

ولكن أمل الشركات العابرة للقارات في الاستثمار في ليبيا ورغبة عديد العواصم الكبرى في إعادة النشاط لسفاراتها في طرابلس من أجل الظفر بعقود لكبرى شركاتها في بلد قد يصبح لاحقا وبسرعة كبيرة دبي2 باعتبار امتداده الجغرافي وثرواته الباطنية الرهيبة وطول شواطئه الساحلية وقلة عدد سكانه إضافة للصحراء الممتدة نحو وسط القارة الإفريقية (دول الساحل والصحراء) …

وفي الأخير فان مستقبل ليبيا في أفق نهاية السنة الحالية سيكون واعدا من أجل عودة الوئام بين الأخوة الليبيين حتى يتمنوا من إجراء مصالحة شاملة وعادلة تدفن آلام الماضي وتوقي الصعاب عبر تشكيل الحكومة الجديدة تنهي المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات ديمقراطية وشفافة تقنع الجميع في الداخل والخارج وتكون منطلقا لإعادة بناء المؤسسات الدستورية وحتى يهنأ الليبيون كل الليبيين بغض النظر عن أحزابهم وقبائلهم ومدنهم وانتماءاتهم الفكرية والمذهبية والسياسية…

ولكن ما يمكن التأكيد عليه أن الحار قد يعرف الصعوبات والعراقيل والتغذية ولكنه سينجح في الأخير لأن عدم نجاحه يعني الانزلاق الى ما هو غير متوقع ليس في ليبيا فقط بل في كل دول الجوار، كما أن النجاح المرحلي والبدء في السنة الانتقالية التي نرجو أن تكون الأخيرة لا يعني عدم تجدد الخلافات لاحقا وان بشكل جزئي ولكن المهم هو النجاح المرحلي لان الخلافات والصراعات بعدها ستكون بيد صاحب السلطة الاصلية وهو الشعب الليبي وهو شعب يدل تاريخه الطويل أنه شعب وطني وصبور وفريد من نوعه ….

 

المصدر: افريقيا 2050

Share Button

أكتب تعليق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *