مُشَاغَبَاتٌ: قِصَّةُ الأَقْصَى القَاسِيَةُ

الحُنَفَاءُ المُخْلِصُونَ والحُلَفَاءُ المُفْلِسُونَ

إِذَا كَانَ لِوَطَنِي عِزٌّ وفَخْرٌ ومَجْدٌ وحُسْنُ صِيتٍ، فَعِزُّهَا وفَخْرُهَا ومَجْدُهَا يَوْمَ هَنْدَسَتْ وزَخْرَفَتْ وزَرْكَشَتْ، رَبِيعًا عَرَبِيًّا مُونِقًا مُشْرِقًا، أبْهَجَ كُلَّ عَرَبِيٍّ مُشْتَاقٍ إِلَى الحُرِّيَّةِ والكَرَامَةِ والجَمَالِ، إِثْرَ ثَوْرَةٍ دَوَّنَهَا الكُتَّابُ والمُؤَرِّخُونَ فِي السِّجِلَّاتِ والدَّوَاوِينِ، ظَلَّتْ إِلَى الآنَ مَثَارَ إِعْجَابٍ، ومَنَارَ إِبْدَاعٍ، وسَرِيعًا مَا تَلَقَّفَهَا أَشِقَّاؤُنَا العَرَبُ فِي أقْطَارٍ خَمْسَةٍ، لِيَنْسُجُوا عَلَى مِنْوَالِهَا، ويَحْذُوا حَذْوَهَا، ويَصْنَعُوا الفَرَحَ النَّضِيرَ، ولَحْظَةَ بَلَغَتْ الثَّوْرَةُ القَاهِرَةَ، لِيَسْقُطَ عَلَى إِثْرِهَا طَاغِيَتُهَا المُسْتَبِدُّ الرِّعْدِيدُ، زُلِزِلَ عَرْشُ الكِيَانِ الصُّهْيُونِيِّ زِلْزَالًا شَدِيدًا، وتَزَعْزَعَتْ أرْكَانُهُ، واَنْفَطَرَ بُنْيانُهُ، ومِنْ هُنَا أخَذَ زَبَانِيَتُهُ وجَلَاوِزَتُهُ يُعْمِلُونَ الحِيلَ ويَكِيدُونَ المَكَائِدَ ويَصْنَعُونَ المُؤَامَرَاتِ، فِي غُرْفَةِ العَمَلِيَّاتِ بِالإِمَارَاتِ، عَسَاهُمْ يُدَمِّرُونَ هَذِهِ الثَّوْرَاتِ الَّتِي فَجَّرَتْهَا الشُّعُوبُ، ولَعَلَّهُمْ يُهَدِّمُونَ هَذَا الرَّبِيعَ الَّذِي قَهَرَهُمْ وأرَّقَهُمْ، ويَا لِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ لَقَدْ حَقَّقُوا أهْدَافَهُمْ، وأدْرَكُوا غَايَاتِهِمْ.

وفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي حَلَمْنَا فِيهَا بِنَصْرِ فَلَسْطِينَ، وتَحْرِيرِهَا مِنْ رِبْقَةِ صُهْيُونِيٍّ حَاقِدٍ مُغْتَصِبٍ، وبُزُوغِ شَمْسِ الحُرِّيَّةِ والكَرَامَةِ فِي أنْحَائِهَا وأرْجَائِهَا، مِنْ بَعْدِ أنْ اِسْتَعَادَتْ لِأَقْطَارٍ خَمْسَةٍ العِزَّةُ والنَّخْوَةُ والوَعْيُ والقَرَارُ المُسْتَقِلُّ، ولَمْ يَخْلُ مَوْعِدٌ جَمَاهِيرِيٌّ حَافِلٌ مِنْ هُتَافٍ تَتَرَنَّمُ بِهِ الحَنَاجِرُ: الشَّعْبُ يُرِيدُ تَحْرِيرَ فَلَسْطِينَ، كُلَّمَا خَرَقَ مَسَامِعَ آلِ صُهْيُونَ اِجْتَاحَهُمْ فَزَعٌ واَنْتَابَهُمْ جَزَعٌ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الَّتْي حَلَمْنَا فِيهَا بِالنَّصْرِ والتَّحْرِيرِ، تَتَحَرَّكُ الآلَةُ الصُّهْيُونِيَّةُ لِاغْتِيَالِ هَذَا الحُلْمِ العَظِيمِ، واَعْتِقَالِ هَذَا الفَرَحِ النَّضِيرِ، وتَؤُوبُ البَسْمَةُ كَرَّةً أُخْرَى لِهَذَا العَدُوِّ الغَاشِمِ الظَّالِمِ وفَرَائِسِهِ السُّذَّجِ الأغْبِيَاءِ، إِنَّهُ يَخُوضُ حَرْبًا بِلَا رَصَاصٍ، ويُرْسِلُ طَائِرَةً بِلَا طَيَّارٍ، إِنَّهُ يُحْدِثُ فِي البِلَادِ العَرَبِيَّةِ فِتَنًا، تَكُونُ مِنْ وَرَائِهَا الحُرُوبُ والاِنْقِسَامَاتُ، والأَحْقَادُ والاِشْتِبَاكَاتُ، تَشْغَلُهُمْ عَنْ مُقَاوَمَةِ عَدُوِّهِمْ الحَقِيقِيِّ، وتَصْرِفُهُمْ عَنْ قَضَايَاهُمْ الفِعْلِيَّةِ، وتَجْعَلُ الوَحْدَةَ والبِنَاءَ والتَّضَامُنَ قِيَمًا مُهْمَلَةً وعَنَاصِرَ مُغَيَّبَةً، وهَكَذَا يُمْكِنُ للْعَدُوِّ، مُنْتَهِزًا هَذِهِ الغَفْلَةَ، وهَذِهِ الفِتْنَةَ، لِيُحَقِّقَ فِي وَقْتٍ سَرِيعٍ، كَثِيرًا مِنْ أهْدَافِهِ، ومَا هَذَا الَّذِي صَنَعَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي القُدْسِ، بِإِغْلَاقِ المَسْجِدِ الأقْصَى، ومَنْعِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وإِحْدَاثِ بَوَّابَاتٍ ألَكْتُرُونِيَّةٍ ، وأجْهِزَةِ تَنَصُّتٍ ومُرَاقَبَةٍ، واِقْتِحَامِ بَاحَاتِهِ، واَعْتِقَالِ رُوَّادِهِ، وتَعْنِيفِهِمْ، وتَرْوِيعِهِمْ، إِلَّا أكْبَرَ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ، ومِمَّا يَزِيدُ الأمْرَ عَجَبًا وذُهُولًا، والمَشْهَدَ قَتَامَةً وغَرَابَةً، أنْ تَجِدَ مِنْ حُكَّامِ العَرَبِ دَعْمًا وتَأْيِيدًا، وعَوْنًا وتَحْرِيضًا، لِتُحْكِمَ قَبْضَتَهَا عَلَى فَلَسْطِينَ، وتَمْضِيَ قُدُمًا بِأَكْثَرَ عُنْجُهِيَّةً وصَلَافَةً، وأظْهَرَ غُرُورًا ووَقَاحَةً، تُدَنِّسُ المُقَدَّسَاتِ، وتُهَدِّمُ المُؤَسَّسَاتِ، وتَعْبَثُ بِمَشَاعِرِ المُسْلِمِينَ، وشَعَائِرِ المُؤْمِنِينَ، الأمْرُ الَّذِي يُحْدِثُ فِي الجَمَاهِيرِ اِحْتِقَانًا وغَضَبًا وغَلَبَانًا، لَعَلَّهُ يَسْتَحِيلُ بَعْدَ حِينٍ ثَوْرَةً لَا تُبْقِي ولَا تَذَرُ، تُمِيطُ  قَذَرًا وتُمِيتُ وَضَرًا.

ظَنَّ الحَمْقَى، وأنَا أحَدُهُمْ، أنَّ القُدْسَ سَتُوَحِّدُ صُفُوفَنَا، سَتُؤَلِّفُ قُلُوبَنَا، سَتُجَنِّدُ جُنُودَنَا، سَتُجَمِّعُ جُمُوعَنَا، سَتَرْأبُ صَدْعَنَا، سَتَلْأَمُ جُرْحَنَا، سَتَرْتُقُ فَتْقَنَا، سَتَجْمَعُنَا مِنْ بَعْدِ شَتَاتٍ، سَتُحْيِينَا مِنْ بَعْدِ مَوَاتٍ، سُتُوقِظُنَا مِنْ بَعْدِ سُبَاتٍ، وذَاكَ أمْرٌ يَخْشَاهُ بَنُو صُهْيُونَ، يَمْلَؤُهُمْ رُعْبًا ورَهَبًا وفَزَعًا وجَزَعًا، يَحْسِبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، ويُوَلُّونَ فِرَارًا، لَا تَكُونُ لَهُمْ فَلَسْطِينُ مِنْ بَعْدُ قَرَارًا، هَكَذَا تَخَيَّلَ المُغَفَّلُونَ، وأنَا أوَّلُهُمْ، كَانَ ذَلِكَ وَهْمًا وخُرَافَةً، وحُلْمًا وحِكَايَةً قَدِيمَةً، قَرَأْنَاهَا فِي كُتُبِ التَّارِيخِ، لَقَدْ اِتَّسَعَتْ دَائِرَةُ الحُلَفَاءِ، ودَخَلُوا فِي دِينِ الصُّهْيُونِيَّةِ أفْوَاجًا، زَعَمُوا أنَّ حَمَاسَ مُنَظَّمَةٌ إِرْهَابِيَّةٌ، وزَعَمُوا أنَّ رَائِدًا بْنَ صَلَاحٍ رَجُلٌ مُتَطَرِّفٌ، وقَالُوا إِنَّ العَرَبُ قَوْمٌ لَا يَنْقُضُونَ المِيثَاقَ، وثَمَّةَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الصَّهَايِنَةِ مُعَاهَدَاتٌ واِتِّفَاقَاتٌ كَانَ لِزَامًا أنْ تُحْتَرَمَ لَا أنْ تُخْتَرَمَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ السَّلَامَ هُوَ الخِيَارُ الوَحِيدُ، وأنَّ الحِوَارَ هُوَ السَّبِيلُ الوَاحِدَةُ، ومَنْ يُقَاوِمْ عَدُوًّا اِغْتَصَبَ أرْضَهُ، واَنْتَهَكَ حَقَّهُ، واَضْطَهَدَ ذَاتَهُ، يُعَدَّ مُمَارِسًا للْعُنْفِ والإِرْهَابِ.

ومَعَ كُلِّ الَّذِي قُلْتُ، فَإِنَّنِي مُسْتَبْشِرٌ بِغَدٍ فَلَسْطِينِيٍّ مُشْرِقٍ وَضَّاءٍ، إِنِّي أرَى الحُنَفَاءَ المُخْلِصِينَ، وهُمْ رُوَّادُ المَسْجِدِ الأقْصَى، بَلْ هُمْ كَافَّةُ الشَّعْبِ الفَلَسْطِينِيِّ المُؤْمِنِ بِالمُقَاوَمَةِ، إِنِّي أرَاهُمْ يُحْيِونَ الرَّبِيعُ العَرَبِيَّ، ويَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الحُلَفَاءَ المُفْلِسِينَ شَفَاعَةٌ ولَا ضَرَاعَةٌ، ولَا تُقْبَلُ لَهُمْ تَوْبَةٌ ولَا أوْبَةٌ.

عاشِقُ الضَّادِ

الحَبيب بلْقَاسمْ

Share Button

أكتب تعليق




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *