اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الإتحاد الأوروبي ” الأليكا ” فرصة أم ورطة ؟

فلاحتنا “مريضة” وعاجزة حتى عن الصمود أمام مشاكلها الداخلية ويراد لها أن تدخل في منافسة خارجية مع “العملاق” الأوروبي !

الفلاحة الأوروبية تتمتع بدعم يساوي 180 مليار دينار سنويا أي ما يعادل ميزانية تونس لست سنوات !

عاد الحديث عن اتفاقية التبادل الحر والشامل والمعمق المعروفة اختصارا بإسم » الأليكا «  ALECA بين تونس والاتحاد الاوروبي ليطرح بقوة خلال الأشهر الأخيرة ويعمق الجدل بين أطراف ترى في هذه الاتفاقية ” الجنة الموعودة ” وأخرى تعتبرها ” شرا ” وضررا كبيرا خاصة على فلاحتنا “المريضة” التي أصبحت عاجزة حتى عن الصمود أمام مشاكلها الداخلية ويراد لها أن تدخل في منافسة خارجية مع “العملاق” الأوروبي !

ورغم التصريحات المطمئنة  والوعود الوردية التي يطلقها المسؤولون الرسميون في تونس والاتحاد الأوروبي حول المنافع التي ستجنيها فلاحتنا من وراء اتفاقية الأليكا فإن الخوف لا يزال يسكن في نفوس وعقول أغلبية الناشطين في الفلاحة والعارفين بتفاصيل أوضاعها المتردية وأحوالها المنهكة بفعل قساوة الدولة والطبيعة في ان واحد

حيث تظهر مختلف الدراسات والندوات التي طرح خلالها موضوع “الأليكا” على بساط البحث والمناقشة أن غالبية المختصين تجنح إلى الحذر والاحتراز إن لم يكن إلى التوجس والتشكيك في خفايا هذه الاتفاقية التي تم نقاشها في مكاتب مغلقة بعيدا عن أعين المهنيين رغم أنهم أول المعنيين ب’الأليكا” ووحدهم من سيتحملون أعباءها وتبعاتها

استدراج “ناعم”

يقول الاتحاد الاوربي عبر موقعه الرسمي ان «الأليكا» هي مشروع اتفاق بينه وبين تونس لتوسعة وتعزيز تعاونهما الاقتصادي وأن المسألة لا تتعلق باتفاق تجاري جديد بل ستكون وسيلة لاندماج أعمق للاقتصاد التونسي في فضائه الاورو- متوسطي

وبعد المصادقة على مشروع هذا الاتفاق يتوقع الأوروبيون أن تونس ستكون المستفيد الأول خاصة من خلال نفاذ منتوجاتها بكل سهولة داخل الأسواق الأوروبية التي تضم أكثر من 500  مليون مستهلك وهو ما يظهر وكأنه عملية « استدراج ناعمة » من الاتحاد الاوروبي لدفع تونس نحو الانخراط في هذه الاتفاقية وتجاوز ما تعرض له من فشل وتعثر على مستوى التفاوض مع الجزائر ومصر والأردن والمغرب حيث اوقفت او أجلت هذه البلدان مفاوضاتها معه حين اكتشفت ان “الأليكا” ستكون بمثابة رصاصة الرحمة على فلاحتها وأنها سترهن أمنها الغذائي لدى الاتحاد الاوروبي ليقينها من عدم قدرة منتجاتها الفلاحية على منافسة نظيرتها الاوروبية

وفي الوقت الذي اختارت فيه عديد الدول عدم الدخول في مغامرة ” الأليكا ” تواصل الحكومة التونسية مفاوضاتها مع “أصدقائها” الأوروبيين بأريحية “عجيبة” وبثقة غير “مفهومة” متجاهلة أن تحرير المبادلات وفتح الأسواق أمام المنتوجات الفلاحية الأوروبية في ظل منافسة غير متكافئة ستكون نتائجه مدمرة

 

أسئلة محيرة

إن الإصرار الحكومي على تمرير اتفاقية “الأليكا” على عجلة و «الإلقاء» بالفلاحة في بحر المنافسة مع المنتجات الاوربية وهي عاجزة عن «السباحة» أشبه بعملية دفعها الى “الغرق”

  • وهنا يحق لنا التساؤل ماذا فعلت الحكومة وماذا أعدت لتحصين القطاع الفلاحي وإكسابه المناعة المطلوبة ضد “فيروس” المنافسة ؟
  •   وبأية أسلح ستخوض فلاحتنا هذه المعركة المصيرية وهي لا تزال منذ عقود تئن تحت جراحها وتحصر في زاوية التفقير والتهميش؟
  • من أين نأتي بالعصا السحرية التي ستحول فلاحتنا من فلاحة “متخلفة” تقنيا و”فقيرة” اقتصاديا واجتماعيا إلى فلاحة عصرية ذكية ومستدامة قادرة على تأمين الغذاء للشعب التونسي وكذلك على اقتحام الأسواق الخارجية ؟

وهل تم حل المشاكل العقارية التي شتتت الملكيات الفلاحية ليتوزع «دمها» بين الورثة؟ وهل تم توفير بنية تحتية ملائمة من طرقات وربط بالكهرباء والماء للمستغلات الفلاحية ؟ وهل تم حل مشكل المياه بكهربة الآبار وقبلها هل تم تعزيز شبكات الري وتأهيلها لنتخلى عن الفلاحة البعلية ؟ وهل تم حل مشكلة طاقة الاستيعاب المحدودة للسدود التي تفيض على أجوارها ومن في طريق سيلان مياهها كلما فاضت بها؟ وهل وقع دعم البحث العلمي الفلاحي على مستوى انتاج البذور الصالحة والمعززة لخصبة التربة ؟ وهل تم تشبيب القطاع الذي وصلت نسبة “الشيوخ» فيه الى 70 بالمائة من مجمل العاملين به ؟ وهل غيرنا القوانين وحفزنا المستثمرين ويسرنا التمويل ليقبل الشباب على الفلاحة بجد وعزم؟ وهل تم حل مشاكل المديونية الخانقة التي سدت افاق الامل امام الفلاحين؟

وفوق كل هذا يبقى السؤال الأهم والمحير هل باستطاعة الفلاحة التونسية أن تصبح في مستوى نظيرتها الأوروبية في الوقت الذي تحصل فيه هذه الاخيرة على دعم يساوي أكثر من 40 في المائة من ميزانية الاتحاد الأوربي ويساوي بلغة الأرقام 408 مليار يورو خلال السنوات 2014-2020 أي بميزانية سنوية تقارب 60 مليار يورو (180 مليار دينار تونسي) أي ما يعادل ميزانية تونس لست سنوات ؟

إن جملة هذه الأسئلة يجب أن تكون المدخل الحقيقي لتحديد الموقف التونسي من  “الأليكا”… لأن أجوبتها ستكشف حتما عن الفوارق والمسافات الشاسعة التي تفصل فلاحتنا عن نظيرتها الاوروبية على كافة النواحي  وستؤكد بكل وضوح أن هذه الاتفاقية تمثل تهديدا حقيقيا لجهاز الانتاج الوطني ويمكن ان تدمر القطاع الفلاحي برمته امام استحالة  منافسة منتوجاتنا للمنتوج الاوروبي سواء في عقر دارنا او حتى في ديارهم.

لماذا تتم النقاشات في مكاتب مغلقة بعيدا عن أعين المهنيين رغم أنهم أول المعنيين ب’الأليكا” ووحدهم من سيتحملون أعباءها وتبعاتها ؟

الإصرار الحكومي على «الإلقاء» بالفلاحة في بحر المنافسة مع المنتجات الاوربية وهي عاجزة عن «السباحة» أشبه بعملية دفعها الى “الغرق”

متوسط إنتاجية الفلاحة الأوروبية أعلى ب7مرات من متوسط إنتاجية الفلاحة التونسية والفلاح الأوروبي يتحصل على دعم سنوي ب 10 آلاف دينار مقابل 280 دينارا فقط في تونس

فتونس ليس لها مواد فلاحية  قادرة على المنافسة  في الاسواق  الأوروبية وليست لها قدرة تنافسية  مع الإتحاد الأوروبي  في ما يتعلق  بالإنتاج والجودة والمردودية  والسعر وهذا ما يمثل تهديدا  كبيرا خاصة  لقطاعات الحبوب والألبان واللحوم وهي القطاعات  الأهم على المستوى الغذائي  في تونس والتي ستتأثر  بكل تأكيد بشكل كبير ومباشر باتفاقية  التبادل الحر.

ورغم محاولات الحكومة لعب دور”المحامي” والمدافع عن  هذه الاتفاقية بقولها أنها ستتيح تعزيز الصادرات الفلاحيّة لتمويل توريد المواد الأساسية وتعديل الميزان التجاري، فإنها تتجاهل –عمدا أو سهوا- أن ما يمكن تصديره نحو الاتحاد الأوروبي يتمثل أساسا في بعض الخضر والغلال، وهي منتوجات مستنزفة للموارد المائية المحدودة أصلا، كما تتغافل على أن تحرير المبادلات وفتح الأسواق أمام المنتوجات الفلاحية الأوروبية في ظل منافسة غير متكافئة ستكون نتائجه مدمرة، حيث أن متوسط إنتاجية الفلاحة الأوروبية أعلى بسبع مرات من متوسط إنتاجية الفلاحة التونسية دون أن ننسى ما يحظى به الفلاح الأوروبي من دعم هائل يقدر  سنويا ب 10 آلاف دينار مقابل 280 دينارا فقط في تونس !

وتتناسى الحكومة كذلك أن الإتحاد الأوروبي ليس “جمعية خيرية” ولن يقبل بأن يكون سوقا مفتوحة أمام منتوجاتنا الفلاحية دون قيد أو شرط حيث يعمد الاتحاد الأوربي حاليا إلى إجراءات حمائية لمنع دخول منتوجات تونسية منافسة حتى وإن كانت عبر التجارة الحرة ومنها بالأساس الإجراءات غير الجمركية على غرار فرض مقاييس متغيرة ومشددة يصعب على المنتجين الالتزام بها في مجالات  الصحة والسلامة النباتية والحيوانية وهي اجراءات من المنتظر فرضها أيضا على السوق الداخلية من خلال اتفاقية “الاليكا”

هذا في ما يتعلق بالمنتوج  في حد ذاته ونفس الشيء ينطبق  على مراكز الانتاج سواء منه الزراعي او الصناعي  فالمستغلات الفلاحية  (اراض ومصانع تحويلية) في تونس لا تتساوى بالمرة مع ماهو متوفر في اوروبا فأكبرها  وأفخمها في بلادنا  يمكن ان تكون أصغرها في بلادهم..

ماذا فعلت الدولة وماذا أعدت لتحصين القطاع الفلاحي وإكسابه المناعة المطلوبة ضد “فيروس” المنافسة ؟

والمطلوب اليوم من الحكومة أن تخفض من سرعتها وتسرعها في التعامل مع ملف “الأليكا” وأن تكبح فرامل التفاوض رأفة بحال فلاحتنا المتردي ومراعاة لمصلحة  الفلاحين “الغارقين في مستنقع من المشاكل”  لأن تفعيل الاتفاقية هو بمثابة “الموت البطيء” للقطاع الفلاحي والعاملين فيه والذين لن يقدروا على الصمود امام «فيضانات» المنتجات الاوروبية التي ستغرق اسواقنا

وقد أظهرت دراسة أعدها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات حول اتفاق الشراكة الشامل والمعمق أنه لكي يستطيع قطاعنا الفلاحي امتصاص تداعيات تحرير التبادل مع أوروبا ينبغي أن تُحقق الصادرات الزراعية نموا سنويا بنسبة 8 في المئة، وهو أمر مستحيل

حتى نتفادى أخطاء الماضي

ان ما يغيب  على المفاوض التونسي هو التقدير الاستراتيجي لخطورة ملف “الأليكا” الذي يضع مستقبل الأمن الغذائي للتونسيّين على المحّك ويمكن ان يتسبب في إهدار ما تبقى من سيادتنا الغذائية وتعميق  تبعية بلادنا للأسواق الخارجية  ويزيد  في تدهور الميزانية خاصة  في ظل التراجع المستمر للدينار أمام العملات  الأجنبية.

وما يغيب على “المكلفين” بالتفاوض في تونس – والذين لم يتحصلوا عكس الجانب الاوروبي على تفويض شعبي وقانوني من البرلمان – هو الاتعاظ من أخطاء الماضي وتقييم التجارب السابقة حتى لا تقع بلادنا في “المحظور” مرة أخرى”

لكي يستطيع قطاعنا الفلاحي امتصاص تداعيات تحرير التبادل مع أوروبا ينبغي أن تُحقق الصادرات الزراعية نموا سنويا بنسبة 8 في المئة، وهو أمر مستحيل

فكما دمرت اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لسنة 1995 النسيج الصناعي، و أحالت حوالي 500 ألف عامل في المؤسسات الصناعية على البطالة القصرية ، فإن مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق يمكنه كذلك أن يدمر القطاع الفلاحي الذي ينشط فيه حوالي 500  ألف فلاح ويشغّل أكثر من 16.8% من اليد العاملة ويساهم في ضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لسكّان المناطق الريفية الذين يمثلون 35 % من مجموع السكان والذين قد ينتهي بهم الأمر بفعل “الأليكا”  الى هجرة أراضيهم وتعزيز صفوف الفئات الهشة  وقائمة النازحين في المدن فيما سينتهي بآخرين “عمالا في اراضيهم”.

وخلاصة القول فإن الرضوخ إلى ضغوطات الإتحاد الأوروبي واقتحام مغامرة “الاليكا” سيدفع بتونس نحو  دوامة  خطيرة من الصعب الخروج  منها ولن يزيد البلاد سوى أزمات  إقتصادية واجتماعية جديدة دون نسيان التهديد  المؤكد لأمننا  الغذائي الوطني

 

 

المصدر: مجلّة تونس الخضراء

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *