مدن غرب ليبيا على صفيح ساخن، صراعات القوى المحلية والأجندات الخارجية

ما إن أطلق حفتر عمليته العسكرية في جنوب ليبيا وتحديدا فزان حتى أصبحت مدن غرب ليبيا تعيش على صفيح ساخن ، وانتعشت أمال أنصار العسكر وتوالت بعض البيانات المؤيدة والمباركة لانتصارات ما يسمى بالجيش الوطني المزعوم  ، كل ذلك يجري وقوات حفتر على بعد أكثر من 700 كم عن طرابلس ومدن غرب ليبيا ، وعليها أن تضمن سيطرتها على ارض شاسعة مترامية الأطراف تبلغ مساحتها 551 الف كم2  قبل أن تفكر في التوجه شمالا ،  فمسرح العمليات العسكرية يبين بوضوح بان مسالة توجه قوات حفتر شمالا الآن أو في المستقبل المنظور هو أمر مستحيل بكل المقاييس.

 

 وفي عز فرحة أنصار العسكر بانتصارات الجيش الوطني المزعوم في مدن  فزان خاصة سبها والمدن المجاورة لها وبعد صمت لم يطل إزاء ما يجري في فزان  تحرك المجلس الرئاسي ، في بيان صدر يوم  الثلاثاء 5 فبراير 2019م طالب فيه بالوقف  الفوري للأعمال العسكرية في الجنوب الليبي حفاظا على السلم الأهلي، وحقن الدماء، وأدان التصعيد العسكري الذي تشهده مناطق في الجنوب الليبي، من بينها القصف الجوي الذي تعرضت له مدينة مرزق ، وتسبب في ترويع الآمنين الأبرياء وإصابة عدد منهم، إلى جانب بعض الأضرار المادية.

ودعا المجلس الرئاسي إلى تغليب لغة العقل والحكمة، وتوقف هذه الأعمال التي تحبط آمال الليبيين في تحقيق الاستقرار، كما أوضح البيان أن الحرب على الإرهاب بكافة أشكاله، والقضاء على المرتزقة والدخلاء، والجريمة المنظمة، هو هدف الجميع، ولن نتنازل عنه، مبينا أنه لا يمكن تحقيقه بالاندفاع نحو حلول عسكرية  تهدد أمن المدنيين وحياتهم، داعيا إلى توحيد الجهود، والتنسيق من خلال عمل مدروس منظم شامل ، وترتيبات أمنية موحدة

وأكد المجلس في بيانه أن هذه الأعمال ستقف حائلا أمام حل الأزمة، مشددا على أنها لا يمكن ان تحل الا عبر توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات، التي ستمكن من اجتياز المحنة  والوصول بالبلاد إلى بر الأمان”.

 

  من جهة أخرى  قوى الثورة الموالية لحكومة الوفاق الشرعية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا العبث ، حيث تحركت قوات من المنطقة العسكرية الغربية بقيادة اللواء أسامة جويلي جنوبا وتعسكرت في قرية  ادري الشاطئ، كما صدرت أوامر من المجلس الرئاسي لقوات من حرس المنشات النفطية للتوجه الى الجنوب والسيطرة على حقل الشرارة لتأمينه.

في ظل هذه الأجواء المشحونة بالتصعيد العسكري  يبدو أن أنصار الكرامة  قد نسوا حقائق  مهمة ، فهناك جوار إقليمي عربي في تونس والجزائر يدرك جيدا ماذا يعني تفجر  الحرب في غرب ليبيا ، حيث الكثافة السكانية ، تكلفة بشرية باهظة ، وموجات من النزوح للهاربين من جحيم الحرب تحتاج الى موارد هائلة لايوائهم ، ناهيك عن اختلال الأمن والاستقرار وهو مناخ سيخدم أهداف تنظيم داعش الذي يتربص بدول المنطقة.

 

 وفق إحصاء السكان لعام 2006م فان المنطقة الغربية تستأثر بأكبر عدد من السكان بنسبة 54.3% من إجمالي  السكان ويتركز فيها أكثر من 3 مليون نسمة ، بينما تأتي  المنطقة الشرقية في المرتبة الثانية بنسبة 24.4% ويتركز فيها أكثر من 1,300.000 مليون نسمة ، أما  المنطقة الجنوبية  فهي المرتبة الثالثة  بنسبة 7.8%  حيث يتركز فيها  حوالي  500 ألف نسمة.

ويتركز في الجبل الغربي  ما نسبته 7.0% من إجمالي  السكان أي  حوالي  400 ألف نسمة ، ولان الجبل الغربي ” جبل نفوسة ” قريب جغرافيا من مدن غرب ليبيا الساحلية، ومرتبط بها اقتصاديا فان الرقم الصحيح لتعداد سكان مدن غرب ليبيا سوف يقترب من 4 ملايين نسمة، بل يتجاوزها إذا أضفنا إليه عدد نازحي بنغازي المقيمين في طرابلس ومصراتة وزليطن وغيرها من مدن غرب ليبيا،  لذا فان العقلاء وحدهم يعلمون تبعات تفجر الحرب في أكثر مدن  ليبيا اكتظاظا  بالسكان ، ناهيك عن العداوات والأحقاد التي كانت نتيجة انقسام الليبيين بين مؤيد ومعارض للقذافي في  حرب التحرير عام 2011م ،  والاشتباكات التي تلته والتي تفجرت بين عدد من المدن الليبية المتجاورة ، فهل يستطيع أنصار عسكرة الأزمة الليبية بان يوقفوا حمام الدماء إذا تفجرت الحرب؟.

ثم أليس من الحكمة اخذ العبر مما حصل في بنغازي ودرنة؟.

لقد دفعت بنغازي ثمنا باهظا ، حيث فقدت ثلث سكانها الذين نزحوا عن بيوتهم ، وعشرات الآلاف من القتلى والجرحى ودمرت أحياء بكاملها في سوق الحوت والصابري ووسط المدينة واختفت من الوجود شوارع تجارية كانت عامرة تضج بالحركة ، شارع  العقيب ، وشارع  مصراتة، وشارع  فترينو، وغيرها كثير، واهتز السلم المجتمعي في مدينة تمثل خليط رائع ومتجانس لكل  المدن  والقبائل الليبية.

 

 أما درنة فقد طالها هي الأخرى دمار كبير ، ونزوح لسكانها ،  فهل يعتقد أنصار حفتر وعسكرة الأزمة الليبية في غرب ليبيا بان حالهم سيكون أفضل من حال بنغازي ، وان مدنهم لن يطالها الدمار ؟.

ثم هناك قوى دولية تأبى أن تترك ليبيا فريسة سهلة لفرنسا الداعمة لحفتر في حربه للسيطرة على الحكم بالحديد والنار .

تصريحات غير مسبوقة للمسؤولين الايطاليين وحرب كلامية ساخنة بين الايطاليين والفرنسيين، حيث قال نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية  الإيطالي ماتيو سالفيني  في تصريحات للقناة الخامسة الإيطالية: “فرنسا ليس لديها مصلحة في استقرار الأوضاع في ليبيا، ربما لأن لديها مصالح نفطية تدافع عنها

 وأضاف سالفيني : ” ليس من حق فرنسا أن تغضب، لأنها رفضت استقبال آلاف المهاجرين وتركتهم في فينتيميليا كما لو كانوا وحوشا ، لا نأخذ دروسا في الإنسانية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون“.

كما استدعت الخارجية الفرنسية يوم  الاثنين 4 فبراير 2019م  سفيرة إيطاليا للاحتجاج على التصريحات التي  أدلى بها نائب رئيس الوزراء الإيطالي  لويجي دي ماريو، واتهم فيها فرنسا بإشاعة الفقر في أفريقيا والتسبب في تدفق المهاجرين إلى أوروبا.

 الثلاثاء 5 فبراير 2019م  نائب رئيس الوزراء الإيطالي لويجي دي مايو  في العاصمة الفرنسية باريس يلتقي  بقادة “السترات الصفراءالمناهضة لسياسات الرئيس إيمانويل ماكرون، وقال كلمته الشهيرة : “رياح التغيير عبرت جبال الألب. أكرر: رياح التغيير عبرت جبال الألب“.. وهذا الأمر دفع فرنسا لاستدعاء سفيرها من روما يوم الخميس 7 فبراير 2019م.

 

 

 ثمة حقائق تفرض نفسها تؤكد للقاصي والداني بأن مسألة توجه قوات حفتر شمالا أمر غير ممكن ،  إذا ما أخذنا في الاعتبار خارطة تقسيم مناطق النفوذ  التي فرضتها اتفاقية سايكس بيكو في  عام 1916م ، والاتفاق الايطالي الانجليزي الشهير بشأن ليبيا المعروف بمشروع بيفن سيفورزا في عام 1949م ، يتضح جليا بان مسالة توجه قوات حفتر الى شمال البلاد هو خط احمر لدى بعض الدول الكبرى.

لسنا نقول هنا بان القوى الوطنية في غرب ليبيا تراهن على دعم خارجي لمنع تقدم قوات حفتر شمالا نحو طرابلس ومصراتة والزاوية، فهي تملك من الإرادة وأسباب القوة ما يكفي لمواجهة قوات حفتر ، إنما هي حقائق تبين بوضوح بان الحرب التي يشنها حفتر في  غرب ليبيا ليست نزهة ، وان موازين القوة على الأرض ليست في صالح العسكر  ومن الحكمة تجنيب المنطقة ويلات الحرب والدمار، فقد دفعت مدن غرب ليبيا ثمنا باهظا في حرب التحرير عام 2011م ، حيث استمرت المعارك 8 أشهر بين الثوار وقوات القذافي.

 

 هناك أطراف ألان في مدن غرب ليبيا موالية لحفتر ليس لديها القدرة الكافية لإشعال الحرب ودعم مشروع الكرامة ، وهي أطراف تشعر بالنشوة من الانتصارات التي يصورها أعلام العسكر في الجنوب الليبي ، وتظن أنها قادرة على فعل شئ ، وقد يتم التضحية بها ودفعها للاصطدام ببقية القوى بهدف إشعال الفتنة.

من الناحية العسكرية لا يستطيع حفتر أن  يقتحم الزاوية أو طرابلس أو مصراتة ، لذا هناك سيناريوهات خطيرة تهدد الاستقرار والسلم المجتمعي في مدن غرب ليبيا وهي تعيش على صفيح ساخن.

  إن خطورة الأوضاع في الجنوب الليبي  وسياسة الأرض المحروقة التي يتبعها حفتر  كما رأينا في مرزق الصامدة ،  تحتم على قوى الثورة أن تكون يقظة ، وان توحد جهودها لمواجهة قطار الموت والخراب والدمار القادم من شرق وجنوب البلاد.

 

  إن قوات حفتر تتحرك بدعم مصري إماراتي فرنسي ، والحجة المعلنة هي مكافحة الإرهاب ، أما الحقيقة فهي الإجهاض على ثورة 17 فبراير ، ونهب ثروات ليبيا.

 في 27 يناير 2019م  السفير المصري في باريس  إيهاب بدوي في حوار مع صحيفة “لو جورنال دو ديمونش”   يقول : ”  إن طائرات رافال فرنسية اشترتها مصر من باريس تعمل بشكل خاص في ليبيا وهم يقدرون ذلك كثيرا من الجانب الفرنسي “.

وأضاف بدوي : ”  هناك تقاربا شبه كلي بين فرنسا ومصر فيما يخص ليبيا، وأنهما يتبادلان المعلومات العسكرية لمكافحة الإرهاب.

كما اكد  أن التعاون الأمني بين القاهرة وباريس أولوية فيما يتعلق بالملف الليبي “.

كل هذه تصريحات مؤلمة جدا بالنسبة لنا في ليبيا ، وهي تمثل انتهاك صريح للسيادة الليبية ، فليس خافيا بان  الجارة الكبرى مصر تتورط في تأجيج الصراع وسفك الدم الليبي ، وعلى حكومة الوفاق أن تتخذ مواقف شجاعة إزاء هذا العبث بأمن ومستقبل الوطن ، عبث الجيران والقوى الكبرى وحلفائهم  على الأرض الليبية ،  لم يعد هناك مجال للمهادنة أمام ما يجري من جرائم في الجنوب الليبي ، قصف للمدن ، واستخدام للمرتزقة الأفارقة في قتل الليبيين ، وضرب النسيج الاجتماعي بين مكونات فزان القبلية باستخدام طرف ضد الأخر .

  إن ثورة 17 فبراير في مفترق طرق ، إما أن تصمد أو يتم الإجهاض عليها وعلى ثوار ليبيا الذين اجتمعوا في الزاوية ثم غريان ثم طرابلس أن يترجموا أقوالهم الى أفعال ، الرهان الحقيقي هو على وحدة وتماسك الليبيين أنفسهم ، بدون الاعتماد على البعثة الاممية أو القوى ألأجنبية.

 

 

الكاتب الصحفي محمد عمران كشادة

 

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *