#بنقردان: الذكرى الثالثة للملحمة التاريخيّة التي هزمت الإرهاب…قراءة في الاحداث

الاثنين 07 مارس 2016…والمدينة نائمة، أمنة، مستقرة، بعض أهاليها تحركوا او بدؤوا التحرك مع تباشير الصباح الأولى ومع آذان صلاة الفجر وهي لحظة زمنية فارقة ينبجس فيها النور من الظلمة والحركة من السكون ويأنس فيها الحراس ليوم جديد، تحرك هؤلاء المبكرون بين مصلّ يسرع الى المسجد وأخر متجه الى عمله ينشد رزقه، استهدفتها مجموعات مسلحة، ما هي الا عناصر ارهابية مدجّجة بالسلاح.
مجوعات، سريعا وبتخطيط مسبق ومحكم انتشرت متفرقة، مقسّمة ومتوزعة على مشارف المناطق الأمنية الحساسة بالبلدة، بعضها تمركز أمام منطقة الشرطة والبعض الآخر في محيط منطقة الحرس الوطني، في حين توجهت مجموعة ثالثة الى محيط الثكنة العسكرية بمنطقة جلال على بعد 7 كلم من وسط المدينة، لتتولى فرق أخرى صغيرة تركيز بوابات بمداخل المدينة، تقف عليها تتثبت من الداخل والخارج، مع تسيير سيارات مسلحة للجولان داخل المدينة.

هجوم باغت الجميع، من أمن وجيش وأهالي، لكنهم سرعان ما تداركوا وتحركوا متجندين بعزيمة وتكاتف وتلاحم، فتسلحوا بحس وطني كبير وصدّوا هذا الغزو الارهابي الاجرامي الذي كان يستهدف البلدة والبلاد والعباد.

عملية ارهابية جبانة، شنّتها هذه العناصر الارهابية، اسفرت عن استشهاد 7 مدنيين و12 عنصرا من القوات الأمنية والعسكرية، 3 من عناصر الشرطة، و7 من الحرس الوطني، وعنصر من الجيش الوطني، وعنصر من الديوانة.
أمّا الجرحى، فقد بلغ عددهم 17 جريحا، 14 من قوات الجيش وقوات الأمن، و3 مدنيين.
في حين تمكنت القوات العسكرية والأمنية خلال هذه العملية من القضاء على أكثر من 35 عنصرا إرهابيا، إلى جانب القبض على 7 عناصر في يوم الهجوم، ثم ارتفع العدد تدريجيا مع تواصل عمليات الملاحقة والتمشيط.

#التخطيط_للهجوم:
في البداية لو تكلمنا عن هذه المجموعات المتشددة التي قامت بالهجوم، نؤكد أنّها عبارة عن خليط بين العائدين من ليبيا في تلك الفترة والخلايا النائمة في المدينة وفي بقية المدن الأخرى من كامل تراب الجمهورية الذين خططوا واتفقوا على أن يتجمعوا في منطقة بنقردان لتنفيذ مخططهم الهادف إلى زعزعة الأمن وبثّ البلبلة واحتلال المدينة، على شاكلة ما حدث في بعض مدن العراق وسوريا وليبيا وهذه معلوم انّه منهج وطريقة لدى تنظيم “داعش” الارهابي.
كما لا نغفل أن أغلب هذه العناصر ولا شك مدربة على حمل السلاح وعلى القتال في أماكن مختلفة سواء بالعراق أو بسوريا أو بليبيا، فهي في غالبها تحمل الفكر المتشدد إذا ما استثنينا بعض الأسماء التي هي إلى التجارة أقرب، وغايتها الربح المادي وتكوين الثروات ووجدت ضالتها في دهاليز الارهاب.

اتضح من خلال ما حدث وقتئذ أنّ الخطة للهجوم على بنقردان، بنيت على أساس هجوم ثلاثي متزامن ينطلق بمجرد انتهاء صلاة الفجر، على منطقتي الشرطة والحرس الوطني بوسط البلدة وعلى الثكنة العسكرية بجلال، هذا إلى جانب بث بعض العناصر في بعض الأحياء وتركيز بوابات أمنية وارسال فرق لاستهداف بعض العناصر الأمنية المعادية في منازلها.

وأمّا الهدف من هذا الهجوم المتزامن فهو فرض السيطرة على المراكز الأمنية الحساسة وافتكاك المدينة، مع المراهنة الساذجة والحالمة على وقوف الأهالي معهم والقبول بهم كبديل.

#ارتباك_وتعجيل_بالهجوم:
يمكن أن أشير إلى نقطة مهمة هي أن الإجراءات الأمنية المعقدة جدا والصارمة التي جدت بالمدينة بعد حادثة “العويجاء” واكتشاف دخول العناصر الخمسة، الى جانب ايقاف بعض العناصر المهمة والتي هي ولاشك على دراية بالمخطط ربما عجلت بالإقدام على تنفيذ هذا الهجوم قبل أوانه، وذلك خوفا من انكشاف أمرهم، أو إيقاف المزيد منهم، لا سيّما أنه قد تم نشر بعض الأسماء المعروفة في بلاغ بحث من قبل الداخلية وقتها.
هذا الارتباك والتعجيل بالهجوم حسب ما أرى حمى المدينة من شيء كان سيكون أشدّ وأكثر تخطيطا وربما أكثر عددا وعدّة، خاصة أنّ اليقظة الأمنية لم تكن على نفس درجة ما بعد حادثة العويجاء التي تم خلالها اكتشاف تسلل 5 عناصر مسلحين من ليبيا وتم القضاء عليهم بعد تحصنهم في منزل هناك.
وبالتالي أقول إن ما حدث في صبراتة مع ما حدث في العويجاء أربك الغزاة وعجل هجومهم وبالتالي حمى بنقردان من كارثة كانت قد تحلّ بها على ما أعتقد.

#التدخل_العسكري_والأمني:
تدخلت قوات الجيش الوطني وقوات الأمن بقوّة منذ اللحظات الأولى، وكانت حازمة وتمّ إحباط المخطط والتصدّي لهذه الهجومات وإيقافها، بقتل العديد وإجبار البقيّة على الفرار والتحصّن في بيوت مهجورة في الأحياء، هذا بالنسبة للمجموعة الأولى، أما المجموعة التي هاجمت الثكنة، فقد تم صدّهم بالقتل في مواجهة مباشرة، مع فرار بعضهم.
وبدأت القوات العسكرية والأمنية مباشرة بتتبع تلك العناصر الهاربة وتمشيط الأحياء ومختلف مناطق المدينة، ومحاصرة البيوت المشبوهة والمهجورة التي تحصّن بها هؤلاء، وهو ما مكنهم من القضاء على عدد منهم، إلى جانب القبض على عناصر أخرى.

#تتيع و #اكتشلف #مخازن_للأسلحة:
تمكنت القوات العسكرية والأمنية من حجز كميات كبيرة من الأسلحة كانت مع المهاجمين، وهي أسلحة مختلفة من قذائف وكلاشينكوف ومتفجرات وأحزمة ناسفة وغيرها.
كما تم اكتشاف مخازن من الأسلحة حددت أماكنها العناصر التي تمّ القبض عليها واستنطقت في التحقيقات.
وقد كانت هذه الأسلحة مخبّأة في بعض الأماكن المهجورة بالمدينة التي تمت مداهمتها واكتشاف ما فيها، وهذه الأسلحة من المرجح أنها حصيلة سنوات عديدة وتم إدخالها وتخزينها على مراحل.

#الهبّة_الشعبية و #الالتحام مع #الأمن و #الجيش:
شهدت مدينة بنقردان يوم الهجوم هبّة شعبية كبيرة إلى وسط المدينة، وإلى المستشفى الجهوي، وبمعنويات مرتفعة، دعما للقوات العسكرية والأمنيّة، ووقفت بصرامة ضدّ هذا العمل الشنيع.
فقد عبر اهالي هذه البلدة الحدودية ودون أي تردد ومن اللحظات الأولى عن استنكارهم ورفضهم القطعي له، وأثبت هؤلاء الناس أنهم اوفياء للوطن، وأنهم ليس كما يسوّق بعض الحاقدين من سياسيين وإعلاميين ومثقفين من أنهم إرهابيون أوأنّ مدنهم حاضنة للإرهاب.

وأشادت كلّ الأطراف بدور أهالي بنقردان وبوقفتهم الشجاعة الصادقة التي برهنت وطنية من طراز عال، بانت خاصة من خلال تصريحات أهالي شهداء المدينة، أورد منها ما قاله المبروك بوقديمة والد الطفلة الشهيدة سارة “بلادي قبل أولادي، ووطني قبل بطني”.

اذا لقد سطرت مدينة اقصى الجنوب التونسي، الحدودية مع ليبيا، ملحمة تاريخيّة شهد لها الداخل والخارج ووقف أمام تفاصيلها خبراء ومحللون منبهرين، مؤكدين أنها يمكن أن تدرس وتعتمد كمثال حي في التصدّي لغول الارهاب وهزمه، فما حدث من سرعة التدخل، وحرفية عناصرنا الامنية، والالتفاف الشعبي التاريخي حول الدولة مكن من افشال هذا المخطط بسرعة قياسية وانتحر الغزاة على أسوارها وردّ كيدهم ردّا.

فمنسوب الشجاعة والوطنية العاليتين اللتين تربّى عليهما أهالي بنقردان عبر تاريخهم سهلا مهمة دحر وافشال مخطط “داعش” في ظرف سويعات قليلة وكبدها هزيمة مدوية، جعلتها تراجع استراتجيتها ومن يدعمها ويسعى من خلالها الى تدمير البلدان وافتكاك الأوطان.

فبنقردان بهبتها الموحّدة، الملتحمة، سرعان ما نفضت غبار المعركة الغادرة، فهدأت فيها النفوس وعادت آمنة، مطمئنّة، في حين تبعثرت اوراق الغزاة وتلاشت احلامهم وتشتت جماعاتهم بين هالك ومسجون وفار مذعور مدحور…فشكرا لبنقردان، جيشا وأمنا وشعبا ورحم الله الشهداء وعاشت تونس حرة، مستقلة.

 

 

#محمد_ضيف_الله

Share Button



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *